مقدمة عن سورة النور، وتفسير آيات أحكام الزنى

سورة النور من السور المدنية وعدد آياتها 64 آية، وسميت بالنور لأن الله قال فيها: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).

هدف السورة

هذه السورة يليق بها أن تسمى بسورة الأسرة لما اشتملت عليه من الكثير من الأحكام التي تحفظ الأسرة من أسباب الانهيار.

وهي أيضا يليق بها أن تسمى بسورة العفاف والستر فهدفها إقامة المجتمع الصالح النظيف الخالي من براثن الفواحش والمنكرات.

وبداية هذه السورة تفرض على المؤمنين الالتزام بما فيها من أحكام ومبادئ.

علاقة سورة النور بسورة المؤمنون

جاء ترتيب سورة النور بعد سورة المؤمنون لتبين ما يجب على المؤمن أن يلتزم به من التعاليم والآداب التي وضعها الله لعباده في الأرض.

ولما ذكر الله في بداية سورة المؤمنون أن حفظ الفروج من صفات المؤمنين فصل القول في أحكام الزنا في سورة النور وبين الحد الذي يجب أن يطبق على الزناة في الدنيا.

سبب نزول سورة النور

روي في سبب نزول سورة النور أن امرأة من البغايا كانت تسافح الرجال وتشترط عليهم أن ينفقوا عليها فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها فأنزل الله قوله:

(ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ).

وقيل من أسباب نزولها شريك بن سحماء حيث رمى زوجته بالزنا فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (البينة أو حد في ظهرك)

فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا مع امراته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ والذي بعثك بالحق إني لصاديق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل قول الله: (والذين يرمون ازواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم…).

مقاصد سورة النور

ابتدأ الله هذه السورة بالحديث عن الأمر الأهم الذي يهدد أمن الأسرة ويعرضها للانهيار وهو الزنا.

فالزنا من أكبر الفواحش التي حرمها الله من أجل ذلك وضع الله لها العقوبات الرادعة لأصحابها والرادعة لمن يرون هذا الحد يطبق على غيرهم فلا يقربوها.

فأراد الله للمجتمع أن يتنزه عن الوقوع في تلك الجريمة النكراء وهي جريمة الزنا، وأراد للمجتمع أن يكون عفيف اللسان فلا يرمي أحد أخاه بتلك الفاحشة زورا وبهتانا

من أجل ذلك وضع الله لذلك حد القذف وهو ثمانين جلدة، فكانت هذه هي العقوبة البدنية وهناك عقوبة أدبية أخرى وهي ألا تقبل شهادة هؤلاء الذين يرمون الناس بالفاحشة دون أن يأتوا على قولهم بأربعة شهداء.

وتحدثت السورة عن اللعان وهو رمي الرجل بزوجته بجريمة الزنا، كما اشتملت تلك سورة النور على قصة الإفك التي افتراها المنافقون ورموا بها أمنا عائشة.

واشتملت تلك السورة على الآداب التي يجب على المؤمنين أن يلتزموا بها ليحفظوا أنفسهم من الوقوع في جريمة الزنا فكان من تلك الآداب وجوب غض البصر؛ لأنه سهم مسموم من سهام إبليس، ووجوب الاستئذان، والأمر بالنكاح من أجل حفظ الفروج.

القرآن منزل من عند الله

قال الله: (سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١)

بدأ الله السورة بقوله: (سورة) بالتنكير ليفيد التعظيم فيكفيها شرفا أنها منزلة من عند الله، فهي سورة عظيمة الشأن عند الله.

وهذه السورة أنزلها الله ليس فقط من أجل أن يقرأها الناس أو يعلموا ما فيها دون عمل به، بل بين الله أنه فرض ما فيها على العباد من حفظ الفروج ومن وجوب العفاف وغير ذلك من الأحكام التي فرضها الله على العباد.

وبين الله أنه أنزل آيات واضحات المعاني ليس فيها مشكل ولا متشابه، ليعمل العباد بما فيها لعلهم يتذكرون أحكامها ويعرفون شدتها، ويتعظون بأحكامها

أحكام الزنى

قال الله: (ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ)

مما فرضه الله عليكم أيها المؤمنون في هذه السورة إقامة الحد على الزاني والزانية وهذا الحد يكون مائة جلدة للزناة إذا لم يكونوا محصنين أي متزوجين.

فأما إذا كانوا متزوجين وارتكبوا هذه الجريمة فإن حدهم الرجم حتى الموت لأنهم تركوا الحلال الطيب الذي أباحه الله لهم ولجئوا إلى الخبيث.

والزنى هو وضع العضو في فرج غير حلال له، وهو من أشنع الجرائم التي تفتك بالمجتمع من أجل ذلك قرن الله جريمة الزنى بجريمة القتل فتكلم عنها بين قتلين:

قتل للأولاد بسبب الخوف من الفقر في المستقبل، وهو الوأد،

وقتل النفس التي حرم الله قتلها، فقال:

(وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)

وقدمت الآية ذكر الزانية على الزاني لأنها الأساس التي تفتح الباب لارتكاب تلك الجريمة فلن تحدث، فلو منعت الرجل وصدته لما تم الأمر.

شروط حد الزنى

قال الله: (وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢)

ثم أمر الله عباده المؤمنين بألا تأخذهم رأفة وشفقة على هؤلاء الزناة فيخففوا الحد أو ينقصوا عدد الجلد؛

لأن هؤلاء الزناة ليسوا أهلا للرحمة والشفقة، والذي أمرنا الله به ألا تأخذنا بهم رأفة وهي الرحمة الشديدة لكن لا يمتنع أن يكون هناك أصل للرحمة التي تجعلهم لا يكسرون عظما أثناء إقامة الحد ولا يجرحون لحما ولا بفقؤن عينا.

إن كنتم أيها المؤمنون تؤمنون بالله واليوم الآخر وهذا من باب تهييج المؤمنين وإلهاب حماسهم ومشاعرهم.

ثم أمر الله بأن يكون إقامة هذا الحد على مرأى ومسمع من الناس بأن يشاهدوا إقامة الحد ليكون رادعا لمن يركتب الحد عن ارتكابه.

لا ينكح الزاني إلا زانية

قال الله: (ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣)

الزاني لدناءة طبعه لا ينكح إلا دنيئة مثله، أو امرأة مشركة لا ترى في زناه شيئا تعاب به، ولفظ الآية إنشاء وليس خبر أي لا يليق بالزاني أن ينكح العفيفة،

لكن قد تكون له زوجة عفيفة لكنها لا تليق به، وليس المعنى أن كل من كانت له زوجة وهو زاني أن تكون زوجته مثله.

وكذلك الزانية لا يليق بها إلا من كان زانيا مثلها أو مشركا لا يرى في زناها عيبا،

قال الإِمام الفخر: «من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية: أنَّ الفاسقَ الخبيث – الذي من شأنه الزنى والفِسق – لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقةٍ خبيثةٍ مثله أو في مشركة،

والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين،

وهذا على الأعم الأغلب كما يقال: لايفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقيٍّ فكذا هنا».

وحرم الله الزنا على عباده المؤمنين لأن فيه انتهاك للحرمات وهتك للأعراض واختلاط للأنساب وفساد للأخلاق، فالزنا قبيح أو يكون المراد وحرم نكاح الزناة والزواني لما فيه من فساد للأسر والمجتمعات.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *