تفسير

تعرف على صفات المنافقنين والمؤمنين من خلال سورة النور

أشارت سورة النور إلى بعض من صفات المنافقين ليكون المؤمنون على حذر منهم، وبعض من صفات المؤمنين ليكون المؤمنون على علم بها.

صفة المنافقين

قال الله: (وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧)

روي في سبب نزول هذه الآية أنها نزلت في رجل من المنافقين اسمه بشر، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في أرض فدعاه اليهودي إلى التحاكم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

وكان اليهودي محقا والمنافق مبطلا فأبى المنافق وقال: إن محمدا يحيف علينا فتعال نحتكم إلى كعب بن الأشرف فنزلت فيه هذه الآية.

لقد حذر الله في هذه الآية من المنافقين، فبين شيئا من صفاتهم التي يتسمون بها، وهو أنهم يعلنون في الظاهر أنهم يؤمنون بالله وبالرسول، وأنهم يطيعون الله ورسوله،

والحقيقة أنهم يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام، ودليل ذلك أنهم يعرضون عن الاحتكام لله ورسوله،

فإذا طلب منهم أن يحتكموا لرسول الله يعرضون من بعد أن ادعوا الإيمان، والحقيقة أن هؤلاء ليسوا بالمؤمنين.

قال الحسن: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإِيمان ويسرون الكفر.

المنافقون لا يحتكمون لله ولا لرسوله

قال الله: (وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨)

إذا دعي هؤلاء المنافقون لينزلوا على حكم الله ورسوله لا يرضون بهذا، فيعرضون ويستنكفون عن الحضور لمجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- ليحكم بينهم.

ويظهر منهم هذا الإعراض عن حكم رسول الله إذا كان الباطل في جانبهم؛ لأنهم يعلمون أن رسول الله لا يحكم إلا بالحق.

مجيء المنافقين لرسول الله

قال الله: (وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ ٤٩)

وإن كان هؤلا المنافقون يرون أن الحق في جانبهم يأتون لرسول الله ليحكم بينهم لأنهم يعلمون أن رسول الله لن يحكم بغير الحق.

المنافقون هم الظالمون

قال الله: (أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٥٠)

بين الله أن السبب الذي يجعل هؤلاء المنافقين يعرضون عن التحاكم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

إما لأن في قلوبهم مرض لعدم إيمان قلوبهم بالله ورسوله، أو تشككهم في نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-

أو أنهم يخافون أن يجور عليهم رسول الله في الحكم.

والحقيقة أن الإيمان بالله أمر يجب ألا يكون فيه شك ولا ارتياب، بل هو أمر يدل عليه كل شيء في هذا الكون، إن خلق الإنسان نفسه أكبر دليل على وجود الله وقدرته.

وأما مسألة نبوة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فهي من أجلى الأمور التي لا يستريب فيها عاقل حيث أيده الله بالمعجزات وعلى رأس تلك المعجزات القرآن الكريم الذي أعجز العرب والعجم والإنس والجن عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه.

وأما مسالة أن يحيف الله ورسوله عليهم في الحكم فهذا أمر يكذبه الواقع فما أرسل الله رسوله إلا من أجل أن يقيم العدالة بين الناس.

وأما هؤلاء بفعلهم هذا فإنهم يريدون إقامة الظلم مكان العدل ويريدون أن يحيف رسول الله في حكمه ليحكم لصالحهم، كل هذا يؤكد أن هؤلاء هم الظالمون.

قول المؤمنين سمعنا وأطعنا

قال الله: (إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥١)

بعد أن تحدثت الآيات عن صفات المنافقين وإعراضهم عن الاحتكام لحكم الله ورسوله، تحدثت الآيات هنا عن المؤمنين وكيف كان موقفهم مباينا لموقف المنافقين.

إن المؤمنين كانوا إذا دعوا إلى الاحتكام إلى الله ورسوله قالوا: سمعنا وأطعنا. وهذا الذي جعلهم يأخذون هذا الموقف هو شدة إيمانهم بالله ورسوله ويقينهم في صحة نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-

وثقتهم بأن رسول الله لا يصدر منه إلا الصدق والعدل، فبسبب مسارعتهم للاحتكام لله ورسوله فأولئك هم الفائزون.

قال قتادة معلقا على هذه الآية: ذُكِرَ لنا أن عبادة بن الصامت -وكان عَقبِيًّا، بَدرِيًّا ، أَحد نقباء الأنصار- أنه لما حضره الموت قال لابن أَخيه جنادة بن أبي أمية:

ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى، قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومَنْشطِك ومَكْرَهِك، وأَثرَة عليك،

وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأَلا تنازع الأمر أهله، إِلا أَن يأمروك بمعصية الله بَوَاحًا، فما أمرت به من شيءٍ يخالف كتاب الله فاتبع كتاب الله.

طاعة الله وخشيته

قال الله: (وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٥٢)

هذه الآية تبين حال المؤمنين وترغب سواهم في أن يكونوا مثلهم، فبين الله أن من يطع الله فيما فرضه عليهم، ويطع رسول الله فيما بينه لهم، ويخش الله فيما مضى من ذنوبه ويتقي الله في يستقبل من أيامه قأولئك هم الفائزون بالنعيم في الآخرة دون من سواهم من المنافقثن والكافرين.

كذب المنافقين

قال الله: (وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٥٣)

لما علم المنافقون بنزول آيات توضح حقيقتهم وتبين أنهم ليسوا بالمؤمنين جاءوا إلى رسول الله وبذلوا كل طاقتهم في القسم لو أن رسول الله أمرهم بأن يخرجوا من أموالهم وديارهم لفعلوا، ليبرئوا أنفسهم من النفاق.

فأمر الله نبيه أن يقول لهم لا تقسموا على طاعة الله ورسوله فطاعتكم معروف أمرها هي طاعة باللسان فحسب والناس يشهدون عليها، وليست نابعة من قلوبكم.

إن الله عالم بدقائق الأمور، وعالم بما تحمله قلوبكم قبل أن تترجمه ألسنتكم عما في قلوبكم، وسيجازيكم الله على أعمالكم.

للاطلاع على المزيد:

مواضيع ذات صلة