تفسير آيات حادثة الإفك من سورة النور

تحدثت سورة النور عن حادثة الإفك التي رمى المنافقون بها عائشة -رضي الله عنها- وبينت براءتها وكذّب الله المنافقين الذين رموها بذلك الإفك.

سبب نزول آيات الإفك

كانت عاشة -رضي الله عنها- قد خرجت مع رسول الله في غزوة بني المصطلق وأثناء رجوعهم من تلك الغزوة وكانوا قد استراحوا في موضع فخرجت عائشة من هودجها لقضاء حاجتها.

فأمر رسول الله بالرحيل فتحرك الجيش وحملوا هودجها ولم يعرفوا أنها ليست فيه، فجاءت ووجدت الجيش كان قد انصرف فمكثت في موضعها.

وكان من عادة صفوان بن المعطل أن يتأخر عن الجيش وكان صفوان من خيار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو صاحب ناقة رسول الله في غزواته لشجاعته وقد اشتهد في غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في زمان عمر.

فوجد عائشة فحملها على راحلته فلم يكلمها ولم تكلمه حتى دخل المدينة فلما وجد المنافقون ذلك أشاعوا في الناس قالة السوء عن عائشة حتى أنزل الله براءتها في آيات تتلى إلى يوم القيامة.

عدد آيات حادثة الإفك

نزل في حادثة الإفك ستة عشر آية من سورة النور تبرئ عاشة -رضي الله عنها- مما رماها به المنافقون فبرأ الله عرضها وصان كرامة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وبين عقاب المفترين.

ولم تنزل هذه الآيات مباشرة بعد انتشار مقالة السوء وإنما تأخر الوحي قريبا من شهر حتى نزل القرآن بتلك البراءة.

عصبة المنافقين

قال الله: (إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ)

أخبر الله أن هؤلاء الذين جاؤا بهذا الكذب والبهتان وافتروه على عائشة عصبة وهم طائفة من المتآمرين من المنافقين والعصبة هم الطائفة الذين يشد بعضهم بعضا، وعددهم يكون من العشرة إلى الأربعين.

وهؤلاء يعيشون بينكم أيها المؤمنون ويتغلغلون في أوساطكم، وكان من هؤلاء مسطح بن أثاثة الذي كان أبو بكر ينفق عليه.

قد يكون الخير في الشر

قال الله: (لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ)

هنا سلى الله رسوله وأصحابه من المؤمنين الصادقين عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحدث البالغ أدنى دركات الخسة.

فبين الله لنا أن هذا الأمر الذي حدث ليس شرا لنا وإنما هو خير، فالأمر وإن كان باديا منه الشر لكن الأمور بعواقبها فلابد من النظر لعواقب الأمور حتى نحكم عليها بأنها خير أو شر.

ومن الخير الذي نتج عن هذه الحادثة أن المؤمنين أدركوا أن فيهم من ليس منهم من هؤلاء المنافقين الذين لا يتورعون عن الخوض في الأعراض.

إن هذا الشر كان طعنا في عرض النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحب الزوجات إليه وابنة أحب الرجال إليه فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات ليؤكد على نزاهتها وبراءتها وليبين للناس فضلها.

عذاب المفترين

قال الله: (لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١)

بين الله ما أعده لهؤلاء الخائضين في هذا الكذب الواضح فقسم الله هؤلاء الذين تكلموا بالإفك في حق عائشة -رضي الله عنها- إلى أقسام:

فمنهم من ردد هذا القول دون تعمد ولم يكن ممن افترى هذا الأمر، ومنهم من افترى هذا الأمر عن عمد يريد بذلك أن يؤذي رسول الله، والذي فعل ذلك هو الذي تولى كبر هذا الأمر ولاشك أن إثمه أعظم وأن عقابه أليم.

وكان الذي تولى كبر هذا الأمر هو كبير المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول، لقد آذى رسول الله لم لم يؤذه به المشركون فقد عاب المشركون رسول الله فقالوا ساحر ومجنون وشاعر لكنهم لم يخوضوا في العرض أبدا.

وقال ابن جرير: «والأولى بالصواب قول من قال، الذي تولى كبره عبد الله بن أبى بن سلول، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير، وأن الذي بدأ بذكر الإفك. وكان يجمع أهله ويحدثهم به، هو عبد الله بن أبى بن سلول»

إقامة الحد في حادثة الإفك

لما أنزل الله براءة عائشة -رضي الله عنها- دعا رسول الله أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس فتلا عليهم ثم أقام رسول الله الحد على حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش فضربوا جميعا الحد.

أما عبد الله بن أبي بن سلول كبير المنافقين الذي أشاع قالة السوء عن عائشة فلم يقم عليه الحد لأنه لم تثبت البينة على أنه هو الذي قال، وأخر الله جزائه ليوم القيامة.

ويروى أن صفوان بن المعطل لما علم أن حسان بن ثابت اشترك في القول بمقالة السوء هذه جاء بسيفه وأراد أن يقتل حسان، وقد حال ثابت بن قيس بينه وبين قتل حسان.

وكان صفوان رجلا شريفا وكان مما قاله: والله ما كشفت كنف أنثى قط. يعني أنه ما كشف امرأة قط من أجل الزنى.

وقد اعتذر حسان -رضي الله عنه- عما وقع فيه بقصيدة في مدح عائشة فقال:

حَصَانٌ رَزَان ما تُزَنُّ بريبة * وتصبح غَرْثَى من لحوم الغوافل

حليلة خبر الناس دينًا ومنصبًا * نبيَّ الهدى ذى المكرمات الفواضل

عقيلةُ حيٍّ من لؤى بن غالب * كرامِ المساعى مَجْدُهم غيرُ زائل

مهذبة قد طَيَّب الله خَيْمَها * وطهرها من كل سوءٍ وباطل

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *