تفسير آيات تحويل القبلة من سورة البقرة

موقف اليهود والمشركين واليهود من تحويل القبلة

تحدثت هذه الآيات من سورة البقرة عن حدث تحويل القبلة فوصفت موقف اليهود وبينت الحكمة من هذا التحويل، ومكانة أمة الإسلام بين الأمم، ومكانة النبي -صلى الله عليه وسلم-

قول السفهاء عن تحويل القبلة

سَيَقُولُ ‌السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا 

لما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة كان يصلي جهة بيت المقدس، وظل على ذلك ستة عشر أو سبعة عشر شهرا، وكان اليهود يسكنون المدينة ويرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يتوجه لبيت المقدس فلم يحملهم ذلك على الإيمان به.

وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتمنى أن يوجهه الله للبيت الحرام قبلة أبيه إبراهيم فلما أمره الله بالتوجه للبيت الحرام عابه اليهود على ذلك وقالوا: ترك قبلة الأنبياء من قبله، فعابوه في كلا الحالين.

فأخبر الله تعالى بما سيقوله ضعاف النفوس وخفاف العقول من الناس قبل وقوعه، ليكون قع كلامهم خفيفا على قلب المؤمنين عند حدوثه، وهذا واضح من قول الله: (سيقول) .

وذهب القرطبي إلى أن المقصود من قول الله: (سيقول) هو قال وأن الآية أوردت الماضي بلفظ المستقبل لتفيد أن هذا الأمر سيتكرر منهم وفائدة التعبير بالمضارع أنه يدل على التجدد والاستمرار.

فقالوا:  ما صرفهم عن قبلتهم التي كانوا يتوجهون إليها وهي بيت المقدس قبلة الأنبياء من قبلهم.

وهؤلاء السفهاء هم اليهود والمشركون والمنافقون وكل من عاب تحويل القبلة.

لماذا كان التحول من بيت المقدس للبيت الحرام؟

هناك العديد من الحكم في تحويل القبلة من بيت المقدس للبيت الحرام منها:

1 – اختبار المؤمنين، وهذا واضح من قول الله: (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).

2- البيت الحرام هو قبلة نبي الله إبراهيم أبو الأنبياء وأولى الناس به هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنون معه، قال الله: (إِنَّ ‌أَوْلَى ‌النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ).

3 – تأليف قلوب مشركي العرب الذين كانوا يقدسون بيت الله الحرام.

لله ملك المشارق والمغارب

قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)

هنا لقن الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- الإجابة على كلام هؤلاء السفهاء الذين عابوا تحويل القبلة بأن يقول لهم: إن الجهات كلها لله مشرقها ومغربها فليس الله محدودا بمكان ولا زمان وأن الأماكن والأزمان كلها لله.

فأينما توجهنا فهناك وجه الله، فلله أن يأمرنا بما شاء وما علينا إلا الاستجابة لأمر الله، يهدي من يشاء من عباده المؤمنين إلى طريقه القويم الذي يوصلهم لسعادة الدنيا والآخرة.

وسطية أمة الإسلام

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا

وكذلك هداكم الله يا أمة الإسلام إلى الإيمان بالله وجعلكم أوسط الأمم أي أعدلها وخيرها؛ وتلك شهادة من الله لتلك الأمة بأنها أعدل الأمم؛

لأنكم تشهدون على الأمم يوم القيامة وتشهدون للأنبياء بأنهم بلغوا أقوامهم وشهادتكم هذه لن تكون بناء على رؤيتكم للسابقين عليكم فأنتم آخر الأمم وإنما ستكون بناء على إيمانكم بما أخبركم الله به في كتابكم.

وسيكون الرسول شهيدا عليكم يوم القيامة أنه بلغكم، أو أن الرسول سيكون شهيدا على شهادتكم بأن ما قلتموه هو الحق.

روى البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب،

فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: ‌من ‌يشهد ‌لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ: (ويكون الرسول عليكم شهيدا).

فذلك قوله جل ذكره: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا). والوسط العدل.

تحويل القبلة كان بمثابة اختبار للمؤمنين

وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ

وما جعلنا تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينصاعون لأهوائهم وينقلبون على أعقابهم فلا يقبلون أمر الله لهم.

وبذلك يعامل الله الناس معاملة الممتحن والمختبر لإيمانهم، ليعلم من استقر الإيمان في قلبه، ومن كان متشككا ومترددا في إيمانه.

وإن كان أمر تحويل القبلة لشاقا وكبيرا إلا على الذين هداهم الله ووطنوا أنفسهم على السمع والطاعة لأوامره.

البشارة لمن مات وهم يصلون لبيت المقدس

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)

لما نزل تحويل القبلة تألم بعض المؤمنين لإخوانهم الذين ماتوا وهم يتوجهون لجهة بيت المقدس، وظنوا أن صلاتهم ضاعت عليهم وصارت باطلة،

فأنزل الله هذه الآية ليطمئنهم عن حال إخوانهم الذين ماتوا وهم يصلون لبيت المقدس بأن صلاتهم لم تكن ضائعة عليهم؛ لأنهم كانوا يتوجهون لبيت المقدس بأمر الله، والآن أنتم تتوجهون للبيت الحرام بأمر الله.

ثم ذيل الله بالآية بتعليل هذا الحكم بأنه عظيم الرحمة لعباده لا يضع عليهم أعمالهم.

وسمى الله الصلاة بالإيمان وذلك لأن الإيمان لا يتم إلا بها.

عن البراء -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت،

وأنه صلى، أو صلاها، صلاة العصر وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله، لقد صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل مكة،

فداروا كما هم قبل البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا، لم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: (‌وما ‌كان ‌الله ‌ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم)[البخاري]

وروى أن حيي بن أخطب وجماعة من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه، وإن كانت على ضلالة فقد عبدتم الله بها مسافة، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة.

فقال المسلمون: إنما الهدى فيما أمر الله -تعالى- والضلالة فيما نهى الله عنه.

فقالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ -وكان قد مات من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة- فانطلق عشائرهم إلى النبي -صلّى الله عليه وسلّم- فقالوا: يا رسول الله: كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ

استجابة الله لنبيه بتحويل القبلة

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

قد رأينا يا محمد تردد بصرك إلى السماء تتمنى وتتطلع إلى أن نحول قبلتك لبيت الله الحرام قبلة أبيك إبراهيم، فلنحولنك للقبلة التي تحب أن توجه لها، وهي بيت الله الحرام.

ثم عمم الله هذا الحكم على كل المسلمين فقال: وأينما كنتم أيها المؤمنون في أي موضع من الأرض فتوجهوا جميعا إلى جهة البيت الحرام.

وجاء التعبير عن الكعبة بالبيت الحرام للإشارة إلى أن المراد في التوجه للقبلة هو جهة الكعبة وليس عينها؛ لأنه لو كان المراد عين الكعبة لكان هذا فيه مشقة على من هم في أماكن بعيدة في أطراف الأرض.

قال الإمام ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول -صلى الله عليه وسلم- لما هاجر إلى المدينة -وكان أهلها اليهود- أمره الله أن ‌يستقبل ‌بيت ‌المقدس.

‌ففرحت ‌اليهود فاستقبلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء.

فأنزل الله: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) إلى قوله: (فولوا وجوهكم شطره) فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) وقال: (فأينما تولوا فثم وجه الله).

تهديد أهل الكتاب

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)

وإن الذين أنكروا عليكم التحول من بيت المقدس إلى البيت الحرام من اليهود والنصارى ليعلمون يقينا أن هذا التحول إنما حق من عند الله؛ لأنهم يعلمون يقينا أنك رسول من عند الله، وهم لا يمتارون في صدق نبوتك، لتطابق صفاتك مع ما ورد عندهم في كتابهم.

وما أنكروا ذلك إلا على سبيل العناد، والله لا يخفى عليه أفعالهم ولا ما اشتملت عليه قلوبهم، وهذا التذييل للآية فيه تهديد ووعيد لهؤلاء.

مقالات ذات صلة