تفسير سورة الكهف من الآية رقم 50 إلى الآية رقم 53

سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس عن السجود

في هذه الآيات من سورة الكهف تحدث الله عن قصة سجود الملائكة لآدم وامتناع إبليس وتكبره على آدم، ثم حذر الله عباده من اتباع هؤلاء الشياطين الذين أخرجوا أباهم آدم من الجنة.

سجود الملائكة لآدم

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا

واذكر يا محمد إذ أمرنا الملائكة بالسجود لآدم سجود تحية لا سجود عبادة؛ لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، فسجد جميع الملائكة؛ لأنهم عباد مطيعون لله كما وصفهم الله بقوله: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ).

امتناع آدم عن السجود لآدم

إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)

إلا إبليس لم يسجد لآدم حيث استكبر أن يسجد لبشر خلقه الله من طين وهو مخلوق من النار، فقال الله: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ‌خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ).

وإبليس كان من الجن وليس من الملائكة كما صرحت الآية هنا، وكثيرا ما تأتي الآيات في مواضع أخرى باستثناء إبليس من الملائكة بعدم السجود لآدم دون ذكر أنه كان من الجن.

وهو استثناء منقطع أي على اعتبار أن إبليس ليس من جنس الملائكة، وورد ذكر جنس الملائكة دون جنس الجن للتغليب لأنهم الأكثر في هذا الموضع.

إبليس استجاب لأصله وغلبه طبعه

قال ابن كثير: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ) أى: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل خلق الملائكة من نور، كما ثبت في صحيح مسلم،

عن عائشة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (خلقت الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم).

فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة، وتشبه بهم، وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم، وعصى بالمخالفة. ونبه- تعالى- هاهنا على أنه (من الجن) أى: (أنه خلق من نار..).

خروج إبليس عن أمر ربه

كان إبليس بعدم استجابته لأمر ربه بالسجود لآدم خارجا عن طاعة ربه فكان بهذا من الفاسقين.

طاعة المشركين للشيطان

أفبعد ما ظهر لكم يا بني آدم من فسوق إبليس وخروجه عن طاعة الله، تتخذونه وذريته أولياء لكم من دون الله، وهم أعداء لكم.

فإبليس هذا هو الذي أخرج أباكم آدم من الجنة، فبئس هذا البدل الذي اتخذتموه معبودا لكم من دون الله أو بئس عبادة الشيطان بدلا عن الله.

والمقصود من التذكير بأمر إبليس مع آدم -عليه السلام- هو التحذير من وساوس الشيطان وحض بني آدم على مخالفة أمره.

ما أشهد الله الشياطين خلق شيء

✷ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)

ما أشهدت هؤلاء الشياطين الذين عبدتموهم من الله خلق السماوات والأرض، ولا أشهدتهم خلق بعضهم بعضا، فهم عبيد مثلكم لا يملكون من الأمر شيئا.

قال الله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا).

وما كنت مستعينا بهم في خلق شيء، فكيف تطيعونهم وهم عبيد لا يملكون شيئا من دوني، وما ينبغي لله أن يحتاج إلى معين ونصير في الخلق والتدبير.

وهذه الآية فيها تنبيه على أن إبليس وأعوانه لا يملكون من الأمر شيئا، وتنبيه على ضلال التابعين لهم وغبائهم.

خذلان الكافرين في الآخرة

وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)

وفي يوم القيامة يقول الله لهؤلاء المشركين ادعوا شركاءكم الذين عبدتموهم من دون الله، لعلهم ينفعونكم ويمنعون عنكم عذاب الله.

فدعا هؤلاء المشركون وهم في هول هذا الموقف ما كانوا يعبدونهم في الدنيا فلم يستجيبوا دعاءهم، وجعل الله بين العابدين من المشركين والمعبودين من الشياطين مهلكة لا يجتازونها وهي النار، وهو عذاب مشترك لهم جميعا لا يخرجون منه، ولا يجدون ناصرا لهم من دون الله.

رؤية المشركين للعذاب في الآخرة

وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)

وعاين المشركون النار بأعينهم، تلك النار وهذا العذاب الذي كانوا كثيرا ما ينكرونه وهم في الدنيا، الآن هم يشاهدونه بحواسهم، وليس ما هم فيه نوع من الخداع للحواس أو نوع من السحر.

قال الله لهؤلاء المشركين: (‌أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). ورأى هنا يراد بها الرؤية البصرية.

فلما رأوها أيقنوا أنهم واقعون فيها لا محالة ، فالظن هنا من معانيه أنه أحيانا يأتي بمعنى اليقين والعلم؛ لأنهم أبصروا الحقائق بأنفسهم، ولم يجدوا مكانا ينصرفون إليه، ويعتصمون به من النار؛ لأن النار صارت تحيط بهم من كل مكان قال الله تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ ‌لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ).

مقالات ذات صلة