تفسير سورة الكهف من الآية رقم 27 إلى الآية رقم 31

أمر الله نبيه بعدم الاستجابة لطلب الكافرين بطرد المؤمنين

في هذه الآيات نهى الله نبيه عن الاستجابة لما طلبه الكافرون من طرد المؤمنين وأمره بالاستمرار على ذكر الله وعبادته معهم، ثم بين ما أعده من العذاب للكافرين، والنعيم للمؤمنين.

الأمر بالمداومة على تلاوة الوحي

وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ
بداية من هذه الآية إلى قصة موسى والخضر -عليهما السلام- تتحدث عن موضوع واحد وهو الرد على أكابر المشركين الذين طلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطرد ما عنده من الفقراء حتى يؤمنوا به،

لكن الله نهى نبيه -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك وأمره أن يداوم على تلاوة ما أوحاه إليه وألا يطرد عنه هؤلاء الفقراء استجابة لطلب هؤلاء المشركين.

معنى الأمر بالتلاوة

وصيغة الأمر بالتلاوة ليست المقصود منها الإنشاء أو الإيجاد لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم ينقطع عن تلاوة الوحي وإخبار الناس به وإنما المقصود بالأمر الاستدامة على الفعل،

كما في قول الله : (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ ‌اتَّقِ ‌اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا). فالمقصود من ذلك أن يستمر على التقوى فهو لم يترك تقواه لله لحظة.

لا أحد يقدر على أن يغير كلام الله

لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)

فليس هناك أحد في هذا الكون بإمكانه أن يغير كلمات الله التي أوحى بها لرسوله -صلى الله عليه وسلم- لأن الله هو الذي تكفل بحفظ كتابه فقال : (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).

ولن تجد غير الله ملجأ تلجأ إليه ولا نصيرا ينصرك من دون الله.

والجملة الأخيرة في الآية تحذير شديد لكل من يتهاون أو يقصر في تلاوة كتاب الله أو يحاول أن يبدله ويغيره.

عبادة الله مع الضعفاء

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ

سبب نزول الآية

روي أن هذه الآية نزلت في عيُينة بن حصن وأصحابه أتى النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم -َ: أما يؤذيك ريح هؤلاء؟

ونحن سادةُ مضر وأشرافها إن أسلمنا يسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء فنحِّهمْ عنك حتى نتبعك،

أو أجعل لنا مجلساً ولهم مجلس، فهمَّ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-  أن يجيبهم إلى ما طلبوا فلما نزلت الآية خرج رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-  يلتمس هؤلاء الفقراء فلما رآهم جلس معهم وقال:

(الحمد لله الذي جعل أُمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم)

الأمر بمجالسة الفقراء

صبر النفس هو حبسها واحبس نفسك وعودها على مجالسة هؤلاء الضعفاء الفقراء الذين يؤمنون بالله فيدعون الله، ويتقربون إليه صباحا ومساء، ويداومون على ذكره لا يريدون إلا أن ينالوا رضى الله.

وفي هذا بيان أنهم أبعد الناس عن الرياء والمباهاة،

وتخصيص الغداة والعشي بالذكر دليل على فضل العبادة في هذين الوقتين فهما محل الغفلة والانشغال بأمور الدنيا، وقد يكون المقصود بهما دوام العبادة.

نهي النبي عن الاستجابة لطلب الأغنياء

وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

ولا تصرف أيها النبي نظرك عن هؤلاء الفقراء إلى الأغنياء الذين يشترطون عليك أن تطردهم من مجلسك حتى يؤمنوا بك طمعا في إسلام هؤلاء.

ومعنى: تريد زينة الحياة الدنيا. أي تقتصر على مجالسة الأغنياء طمعا في إيمانهم.

 تكرر النهي عن الاستجاب للأغنياء

وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)

هنا نهي آخر حيث نهى الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- عن طاعة هؤلاء الغافلين عن طاعة الله الذين يطلبون منه أن يطرد الفقراء حيث استحوذ عليهم الشيطان واتبعوا أهواءهم، وهؤلاء كان أمرهم فرطا أي مجاوزا للحد مخالفا للصواب.

قيمة الناس تكمن في دينهم

هذه الآية تبين لنا أن الناس تكمن قيمتهم وأقدارهم في دينهم وخلقهم، وليس أموالهم ومظاهرهم، وهو المعيار الذي نقيم الناس على أساسه.

وهذا هو المعنى الذي أكده لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما مر عليه رجل فقال لرجل عنده ما رأيك في هذا.

عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: مر رجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لرجل عنده جالس: (ما رأيك في هذا).

فقال: ‌رجل ‌من ‌أشراف ‌الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. قال: فسكت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ثم مر رجل، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ما رأيك في هذا).

فقال: يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا)[البخاري]

الأمر بقول الحق في وجوه الكافرين

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ

قل يا محمد الحق في وجوه هؤلاء المشركون الذين يطلبون منك أن تطرد هؤلاء الفقراء، لقد ظهر الحق الذي جاءكم من الله،

فمن شاء منكم الإيمان فليؤمن دون أن يملي شروطه، فلن تنفعوا الله بإيمانكم، وليس الله في حاجة لكم، ومن شاء منكم أن يكفر فليكفر فإن كفركم لا يضر الله شيئا، ولا ينقص من ملكه شيئا.

وليس هذا من باب التسوية بين الإيمان والكفر وإنما هذا ليبين الله أن كل واحد سيتحمل نتيجة اختياره.

ما أعده الله للكافرين من عقاب

إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)

بين الله عاقبة المؤمنين والكافرين فذكر عاقبة الكافرين أولا حيث ذكر الله -تعالى- أنه أعد للظالمين نارا شديدة حامية أحاط بهم سورها، كما يحيط السوار بالمعصم، لا يستطيعون الهروب والخروج منها،

وإن استغاثوا من شدة العطش يغاثوا بماء شديد الحرارة كعكر الزيت المغلي يشوي وجوههم إذا اقترب منهم لشدة حرارته، فبئس الشراب شرابهم وساء المنزل منزلهم .

الله لا يضيع أجر المؤمنين

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)

ثم ذكر الله عاقبة المؤمنين الذين آثروا الإيمان على الكفر بعد أن ذكر عاقبة الكافرين فالله لا يصيع ثواب من أحسن عمله وأخلصه لله.

وصف نعيم أهل الجنة

أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ

فهؤلاء المؤمنون لهم جنات يقيمون بها تجري من تحت غرفهم ومنازلهم أنهار الجنة، يحلون في الجنة بأساور من ذهب.

فقد روي أنه ما من أحد من أهل الجنة إلا ويحلى بثلاثة أساور، أسورة من ذهب كما في الآية التي معنا، ويحلون بأساور من فضة كما في قول الله: (وحلوا أساور من فضة). ويحلون بأساور من لؤلؤ كما في قول الله: (ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير).

ويلبسون ثيابا رقيقة من حرير السندس وثيابا غليظة من الاستبرق، قال الطبري: معنى الآية أنهم يلبسون من الحلي أساور من ذهب، ويلبسون من الثياب السندس وهو ما رقَّ من الديباج، والاستبرق وهو ما غلظ فيه وثَخُن.

مجالس أهل الجنة

مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)

متكئين في الجنات على الأرائك نعم الثواب ثوابهم الذي كافأهم الله به وهو الجنة، وحسنت تلك الأرائك متكئا يستقرون عليها.

فائدة ذكر عقاب الكافرين ونعيم المؤمنين

ما ذكره الله من العذاب للكافرين فيه ما فيه من التنفير من الكفر بالله، وما ذكره الله من ألوان النعيم الذي لا يعد ولا يحصى في الجنة فيه ما فيه من الحض على المسارعة إلى الإيمان والعمل الصالح حتى ينال الإنسان هذا النعيم الدائم الذي لا ينقطع.

مقالات ذات صلة