تفسير سورة الكهف من الآية 14 إلى الآية 17 تابع قصة أصحاب الكهف

مناظرة أصحاب الكهف لملكهم وحفظ الله لهم

ما زال الحديث موصولا عن أهل الكهف الذين لجئوا إلى الكهف ليستتروا به عن قومهم لئلا يفتنوهم في دينهم، ويردوهم إلى الكفر مرة أخرى، وكيف حفظهم الله في كهفهم.

مناظرة أهل الكهف للملك الكافر

وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)

ذكر الله جانبا من جوانب هدايته لأهل الكهف حيث ربط الله على قلوبهم أي قوى عزمهم، وثبتهم على الحق، وصبرهم على فراق أهلهم، فكانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان بالله،

حيث قاموا بين يدي الملك الكافر الذي كان يعبد الأصنام غير مبالين بما سيفعله بهم وقالوا:

ربنا الحق الذي يجب أن ندين له بالعبودية، وأن نعبده فلا نشرك به أحدا، هو الذي خلق السماوات والأرض، وليست تلك الأصنام المزعومة التي لا تخلق نفسها فضلا أن تخلق غيرها،

فهي أصنام عاجزة لا تنفع ولا تضر، ولا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، فلن نشرك مع الله أحدا غيره، لأننا إن أشركنا مع الله غيره وعبدنا معه تلك الآلهة المزعومة نكون قد تجاوزنا حدنا وأوغلنا في الضلال.

طلب أهل الكهف برهان على أحقية الأصنام للعبادة

هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)
فهؤلاء هم أهل بلدنا، أشركوا مع الله غيره، وعبدوا تلك الأصنام من دون الله، فهلا يأتون على عبادتهم لتلك الأصنام بدليل أو حجة على أحقيتها لأن تعبد من الله،

فليس هناك من هو أظلم ممن كذب على الله، وهذا استفهام بمعنى النفي فلا أحد أشد ظلما ممن افترى على الله كذبا.

اعتزال أهل الكهف قومهم

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)

تحدثت الآية عن اعتزال هؤلاء الفتية قومهم حيث تركوهم وتركوا ما يعبدونه من الأوثان وألزموا أنفسهم بعبادة الله وحده.

حيث تناجى هؤلاء الفتية فيما بينهم بأن يعتزلوا قومهم بأبدانهم، ويتركوا النعيم الذي يعيشون فيه، ويأووا إلى الكهف الخشن المظلم حتى لا يفتنهم قومهم،

وهم موقنون بأن الله سيعوضهم عما تركوه، وسيثبتهم على الإيمان به، وسينشر الله عليهم من فضله ورحمته، ويسهل لهم أسباب العيش في هذا الكهف الذي سيلجئون إليه، وقد أعمى الله القوم عنهم حتى استقروا في كهفهم.

مشروعية الهجرة من بلد الكفر

وهذه الآية دلت على مشروعية الهجرة من أرض الكفر بأن يترك الإنسان داره وماله، إذا خاف على نفسه الفتنة في دينه كما فعل أهل الكهف.

وقد فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك عندما أذن لأصحابه بالهجرة من مكة إلى الحبشة، وأذن لهم أيضا بالهجرة من مكة إلى المدينة، وهاجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيضا لما تبين له أن الحجارة يمكن أن تلين لكن قلوب أهل مكة لا يمكن أن تلين.

قال الحافظ ابن كثير عن أهل الكهف: وعمَّى الله خبرهم، كما فعل بنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه الصديق -رضي الله عنه- حين لجأ إلى غار ثور،

وجاء المشركون من قريش في الطلب فلم يهتدوا إِليه، مع أَنهم يمرون عليه! وعندها قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما رأى جَزع الصديق في قوله: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إِلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما؟!

وقد قال تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

وصف أهل الكهف وهم نيام في الكهف

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ.

وترى أيها المخاطب وهو خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولكل من يتأتى منه الخطاب، أن الشمس إذا طلعت تميل عن الكهف جهة اليمين، وإذا غربت تقطعهم وتبعد عنهم جهة الشمال،

والمعنى أن الشمس لا تصيبهم وقت الطلوع ولا وقت الغروب حماية لهم لئلا تتغير أجسامهم، وتلك كرامة من الله لهم حتى لا تتعرض أجسامهم للأذى في نومهم الطويل هذا.

وهم نائمون في فجوة أي مكان متسع داخل الكهف فلا تصيبهم الشمس لا في وقت الطلوع ولا وقت الغروب.

حفظ الله لأهل الكهف آية من آيات الله

ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)

وهذا الحفظ الذي حفظه الله لهم وهذا البقاء الطويل دون أن تتغير أو تتحلل أجسامهم إنما هو من عجيب قدرة الله حيث حفظهم من الشمس، وأذن لنسيم الهواء أن يصل إليهم.

فرجوع هؤلاء الفتية عن الكفر، ورغبتهم في الإيمان إنما هو من إعانة الله ولطفه بهم، فإن من يوفقه الله للإيمان به فهو المهتدي حقا، والفائز بسعادة الدارين الدنيا والآخرة.

ومن يضله الله بسوء عمله وعدم رغبته في الإيمان فلن تجد له نصيرا ينصره من دون الله ولا وليا يرشده إلى الحق.

مقالات ذات صلة