حال المتقين والمجرمين في الآخرة، وكيف ناقش الله من يدعون لله ولدا-سورة مريم

تحدثت الآيات في سورة مريم عن الكيفية التي يسوق الله بها عباده المتقين والمجرمين في الآخرة، وناقشت الآيات هؤلاء الذين يدعون لله ولدا.

صورة حشر المتقين

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)

وسيحشر الله عباده المتقين مكرمين ومنعمين ركبانا يفدون على الله كما يفد الوفود على الملوك لنيل عطاياهم، سيكونون كذلك عند الله لنيل الكرامة والإنعام من الله.

صورة حشر المجرمين

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)

ونسوق المجرمين في هذا اليوم كما تساق البهائم عطاشى لا يجدون الماء الذي يرتون به.

الشفاعة في الآخرة

لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)

لا يستحقون الشفاعة يوم القيامة فلا يشفع لهم أحد، إلا من كان له عهد عند الله وهو من شهد أن لا إله إلا الله.

قال ابن عباس: العهد شهادة أن لا إله إِلا الله، والتبرؤ من الحول والقوة، وعدم رجاء أحد إِلا الله تعالى.

ادعاء أن للرحمن ولدا

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)

لقد بلغ من كفر هؤلاء أن ادعوا أن لله ولدا، فقال المشركون عن الملائكة: أنهم بنات الله، وقالت اليهود: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وكل هذا إنما هو قولهم من محض ضلالاتهم وما أنزل الله بذلك من سلطان.

عظم جرم ادعاء الولد لله

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)

لقد تكلمتم أيها المشركون بقول منكر بلغ النهاية في قبحه وشناعته أن ادعيتم لله ولدا.

بشاعة نسبة الولد لله

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)

تكاد السماوات أن تتشقق من هول قولهم، وتنشق الأرض وتخر أجزاء الجبال ساقطة من هول ادعائهم أن لله ولدا.

فإن الله يستحيل عليه اتخاذ الولد فليس في حاجة له كما يحتاج البشر إليه ليعاونهم عند كبرهم أو ليمتد بهم ذكره في الدنيا.

فالله لا يدركه وهن ولا عدم حتى يحتاج للولد والجميع خلقه، قال الله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

رد الله على من يدعون له الولد

وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)

لا يليق بعظمة الله وكماله أن يتخذ ولدا فإن الله منزه عن اتخاذ الصاحبة الولد، فليس الله مشابها لخلقه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

قال الله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

وقال الله: (بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ ‌صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ).

كل مخلوق عبد لله

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)

ما من كائن في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن بوصف العبودية ليحاسبه الله على ما قدم في الدنيا إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

الله لا يغيب عنه شيء

لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)

لقد حصرهم الله وعلم بواطنهم وظواهرهم، وعلم عددهم فلا يخفى عليه شيء من أمورهم، فليس بحاجة لولد يعينه في أمر من الأمور.

الكل يأتي ربه فردا

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)

وكلهم سيموتون ويحشرون يوم القيامة فردا بلا مال ولا ولد ولا ناصر ينصرهم من دون الله ولا شفيع يشفع لهم عند الله.

الله يلقي محبة المؤمنين في قلوب عباده

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)

بعد أن تكلم الله عن أحوال الكافرين ومصيرهم الأليم في عذاب جهنم تحدثت الآيات هنا عن حال المؤمنين الذين آمنوا بالله وعملوا الأعمال الصالحة التي أمرهم الله بها، أن الله سيمتن عليهم بأن يضع المودة لهم في قلوب عباده المؤمنين ويجعل ملائكته يدعون لهم.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌إذا ‌أحب ‌الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء:

إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض)البخاري

الله يسر القرآن بلسان عربي مبين

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)

فإنما نزلنا عليك يا محمد هذا القرآن بلسان عربي مبين، من أجل أن تبشر به المتقين بما أعده الله لهم من النعيم المقيم، ولتحذر به قوما معاندين لك يجادلون بالباطل ولتخوفهم من عذاب الله الأليم.

فقد تحدث القرآن في غير موضع عن مصير هؤلاء المعاندين المجادلين لرسلهم فقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)

هلاك الأمم السابقة

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)

وكثيرا من الأمم أهلكناهم من قبل أهل مكة، هل تستطيع أن تحس أحدا منهم بشيء من حواسك وهل تسمع صوتا لأحد منهم.

تلك الأمم التي كانت ملئ السمع والبصر، وكانت لهم سلطة ودولة، وكانوا يخاصمون أنبياءهم ويعادونهم هم اليوم لا حس لهم ولا خبر عنهم، فليحذر هؤلاء المشركون أن يكون مصيرهم كمصير هؤلاء.

فقد تحدث الله في غير هذا الموضع عن مصير الأمم السابقة فقال: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ).

مقالات ذات صلة