قصة نبي الله زكريا ويحيى عليهما السلام من خلال سورة مريم

تفسير سورة مريم من الآية رقم 01 إلى الآية رقم 15

بدأت سورة مريم بالحروف المقطعة، ثم سردت الحديث عن نبي الله زكريا، وكيف أن الله أحدث له الأمر العجيب بأن رزقه بالولد بالرغم من أن زوجته كانت عاقرا لا تلد، وقد طعنت في السن، وهو كان قد بلغ من الكبر منتهاه.

معنى الحروف المقطعة

كهيعص (١)

اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي وردت في بدايات السور فمنهم من قال إنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.

ومنهم من ذهب إلى أن المقصود بها التحدي لهؤلاء العرب ليقول الله لهم: إن هذا القرآن الذي عجزتم عن الإتيان بمثل أقصر سورة منه مؤلف من نفس الحروف التي تنظمون منها كلامكم.

فإذا ثبت عجزكم عن ذلك وأنتم أرباب اللغة والبيان فغيركم أعجز عن ذلك، وثبت بذلك أن هذا القرآن ليس من نظم محمد -صلى الله عليه وسلم- وإنما هو من كلام الله -عز وجل-.

وقيل: إن هؤلاء العرب كانوا إذا سمعوا القرآن يتلى شوشوا عليه حتى لا يسمعوه ولا يسمعه غيرهم كما في قول الله:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ ‌وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ).

فكانت السور تبدأ بتلك الحروف المقطعة التي لم يعتد هؤلاء العرب سماعها فإذا سمعوا أنصتوا لهذا الكلام لغريب الذي لم يسمعوه من قبل، فيأتيهم بالكلام المعتاد، فكانت كالتنبيه لهم ليسمعوا كلام الله.

رحمة الله بنبيه زكريا

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)

هذا الذي يذكره الله لك يا محمد ولغيرك إنما هو طرف من رحمة الله بعبده زكريا، وكان زكريا -عليه السلام- نبيا من أنبياء بني إسرائيل من ولد سليمان بن داود -عليهم السلام-.

دعاء زكريا ربه سرا

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)

فقد دعا نبي الله زكريا ربه دعاء في سر وخفاء بحيث لا يسمعه أحد غير الله، وفائدة هذا الخفاء أنه أقرب للإخلاص وأبعد عن الرياء.

التذلل لله في الدعاء

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)

هذا تفصيل لنداء نبي الله زكريا حيث ذكر أنه قد ضعف عظمه، ورق جسده لكبر سنه، وانتشر الشيب في الرأس انتشار النار في الهشيم.

ولم أكن يا ربي في وقت من الأوقات خائبا بدعائك، فقد عودتني الإجابة، وألا تردني خائبا فبحق إجابتك لي فيما مضى أجب لي فيما يأتي، وهذا فيه نوع من التوسل بالله.

خوف زكريا من ضياع ميراث النبوة

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)

وإني خفت الموالي وهم عصبته وبنو عمه الذين يلون أمره من بعد موته، ألا يحسنوا وراثة هذا العلم والنبوة وأن يسئوا للناس، لأنهم كانوا أشرارا.

وكانت امرأتي عاقرا من شبابها لم يسبق لها ولادة قط، وقد بلغت الآن الكبر، فهب لي منك ولدا يحسن وراثة هذا العلم والنبوة، ويحسن سياسة الناس والعدل فيهم.

طلب زكريا الولد ليرث النبوة

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)

طلب نبي الله زكريا مع الولد أن يكون وارثا له في العلم والنبوة، وليس المراد أن يكون وارثا له المال؛ لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم.

وكان نبي الله زكريا يعمل نجارا، ويأكل من عمل يده، فطلب الولد ليحفظ للناس دينهم وليكون وارثا للنبوة من آل يعقوب.

فإن زكريا هو من ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، واجعله يا رب مرضيا عندك يعمل بما يرضيك، ويرضى عنه الناس.

البشارة بيحيى

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)

والكلام هنا فيه حذف حيث استجاب الله لدعاء نبيه زكريا ثم بشره بغلام، وهذا الغلام الذي سماه هو الله، حيث سماه بيحيى ولم يُسم أحد بهذا الاسم من قبل، فنبي الله يحيى هو أول من تسمى بهذا الاسم الجديد.

وأما قول البعض بأن المقصود بقول الله: (لم نجعل له من قبل سميا) أي لم يدانيه أحد في السمو وعلو المنزلة؛ وهذا غير صحيح؛ لأنه سبقه أنبياء كنوح وإبراهيم وغيرهم وهم أعلى منه منزلة.

تعجب زكريا وسروره بالبشارة

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)

لما بشر الله نبيه زكريا بغلام، سأل زكريا ربه كيف يكون له غلام، وهو سؤال تعجب وسرور بهذا الأمر العجيب.

أو أنه سؤال عن الكيفية وليس استبعادا لحدوثه، فقد كانت امرأته عاقرا لم تلد في شبابها فكيف تلد بعد أن بلغت فوق التسعين عاما، وبلغ هو الآخر نهاية الكبر حيث بلغ مائة وعشرين عاما.

فأراد نبي الله زكريا أن يعرف كيف يكون هذا، هل يكون من زوجته العاقر التي لم تلد أصلا أم يكون من زوجة أخرى.

جواب الله على نبيه زكريا

قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)

طمئن الله قلب نبيه زكريا حيث رد على سؤاله بأن الحال وإن كان كما ذكر من كون امرأته عاقرا، وكونه بلغ من الكبر عتيا، فإن هذا لا يعجز الله أن يوجد الولد منهما وهما على تلك الحال، فهذا أمر سهل وميسور على الله.

ثم ذكر الله له ما هو أعجب من ذلك بأن لفت نظره لنفسه حيث خلقه من العدم ولم يك شيئا، فالله ليس في حاجة لجانب الأسباب حتى يوجد من يريد إيجاده.

طلب زكريا علامة على حمل زوجته

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)

طلب نبي الله زكريا من ربه أن يجعل له علامة ودليلا على حمل امرأته بهذا الغلام الذي بشره الله به.

فكانت العلامة أن الله يحبس لسانه عن الكلام من غير مرض ولا علة ثلاثة أيام بلياليها، فكان زكريا -عليه السلام- يسبح ويقرأ التوراة لكنه إذا أراد الكلام مع الناس لا يستطيع إلا بالإشارة.

فالمقصود من الليالي هنا الليالي مع أيامها؛ لأنه قد ورد في سورة آل عمران قول الله: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ).

حبس لسان زكريا عن الكلام

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)

فخرج زكريا -عليه السلام- من مصلاه الذي كان يصلي فيه على قومه فأوحى إليهم بالإشارة أن ينزهوا الله عن كل نقص في أول النهار وفي آخره.

وخص هذين الوقتين حتى تكون بداية يوم الإنسان بذكر الله ونهايته بذكر الله.

وهذا المحراب الذي كان فيه زكريا هو الموضع الذي بشرته الملائكة فيه بيحيى حيث قال الله: (فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ).

أمر الله يحيى بأخذ الكتاب بقوة

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)

انتقلت الآيات بالحديث عن نبي الله يحيى، وفي الحديث تقدير لمحذوف، والمعنى: لما ولد يحيى ونما وترعرع آتيناه الكتاب وهو التوراة، وأمرناه أن يأخذه بقوة أي باجتهاد وجد والعمل بما فيه من الأحكام التي أمر الله بها عباده.

فإن بركة العلم في العمل به، وذلك الأمر بأخذ الكتاب بفوة في السن الذي يؤمر فيه بحمل الرسالة.

وأعطيناه الحكمة والفهم ورجاحة العقل وهو صبي صغير فقيل كان ابن ثلاث سنين، وقيل : ابن سبع سنين. وقيل: أعطي النبوة وهو صغير والأول أرجح.

وصف الله ليحيى

وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)

وجعلنا في قلبه رحمة وخشية من الله على عباده وشفقة عليهم، وأعطيناه بركة عظيمة من عندنا وكان عبدا صالحا تقيا ورعا ما هم بمعصية قط.

بر يحيى بوالديه

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)

وكان كثير البر والإحسان لوالديه فهما أولى الناس ببره ورحمته، ولم يكن متكبرا على أحد من خلق الله، وإنما كان لين الجانب مطيعا لربه، وتلك هي صفات المؤمنين الكاملين.

الأمان على يحيى

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)

وأمان من الله على نبيه يحيى من مولده من أن يصيبه الشيطان كما يصيب بني آدم، وأمان عليه يوم يموت من فراق الدنيا وهول القبر، ويوم يبعث حيا من أهوال يوم القيامة.

وتلك إشارة إلى أنه يموت شهيدا، لأن الشهداء هم الذين يكونون أحياء، كما في قول الله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‌أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).

مقالات ذات صلة