سورة الرحمن أهدافها وموضوعاتها وأسباب نزولها

سبب نزول سورة الرحمن وما اشتملت عليه من موضوعات

سورة الرحمن من السور المكية في قول جمهور العلماء، وقيل مدنية، وعدد آياتها 78 آية.

ترجيح القرطبي لكونها مكية

رجح الإمام القرطبي كون سورة الرحمن مكية فقال: روى عن عروة بن الزبير قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن مسعود.

وذلك أن الصحابة قالوا: ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر به قط، فمن رجل يسمعهم إياه؟

فقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: نخشى عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فأبى، ثم قام عند المقام فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم. الرَّحْمنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ … ثم تمادى رافعا بها صوته وقريش في أنديتها، فتأملوا وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟.

في أي جزء تقع سورة الرحمن

تقع سورة الرحمن في الجزء السابع والعشرين وهي السورة رقم خمسة وخمسون في ترتيب المصحف.

سبب تسمية سورة الرحمن بهذا الاسم

سميت سورة الرحمن بهذا الاسم لأنها افتتحت باسم الله الرحمن حيث قال الله: (الرحمن علم القرآن).

وقد ورد اسمها في حديث مرفوع عند الترمذي عن جابر -رضي الله عنه- قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا.

فقال: (لقد ‌قرأتها ‌على ‌الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد.

وتسمى هذه السورة بعروس القرآن، وتتميز سورة الرحمن بقصر آياتها ورنينها الأخاذ.

سبب نزول سورة الرحمن

ذكر المفسرون في سبب نزول سورة الرحمن أن المشركين لما قالوا: وما الرحمن؟. نزلت هذه السورة مبتدأة بالرحمن لترد عليهم ولتثني على الله بما هو أهله.

غرض سورة الرحمن

الغرض من سورة الرحمن هو دعوة الناس للإيمان بالله واليوم الآخر عن طريق الترغيب بذكر نعم الله التي لا تخفى على أحد من العباد من الجن والإنس، فعدد نعم الله على العباد فذكرهم بها وتحداهم أن ينكروا شيئا منها.

مناسبة سورة الرحمن لما قبلها

في آخر سورة القمر قال الله تعالى: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) ثم وصف الله حال المتقين وحال المجرمين، ثم جاءت سورة الرحمن لتفصل هذا الإجمال فوصف الله مرارة وأهوال الساعة وما يحدث فيها، ثم فصل الكلام على أهل النار، وفصل الكلام على أهل الجنة.

وكأن سورة الرحمن جاءت كشرح وتفصيل لآخر سورة القمر التي سبقتها في الترتيب.

قال الإِمام جلال الدين السيوطى: لمَّا قال – سبحانه – في آخر ما قبلها (بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر)

ثم وصف – سبحانه – حال المجرمين في سقر وحال المتقين (فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) فصل هذا الإجمال في هذه السورة أتم تفصيل على الترتيب الوارد في هذا الإجمال.

فبدأ بوصف مرارة الساعة والإشارة إلى شلتها، ثم وصف النار وأَهلها، ولذا قال سبحانه: (يعرف المجرمون بسيماهم) ولم يقل: الكافرون أو نحوه؛ لاتصاله معنى بقوله تعالى هناك: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ).

ثم وصف الجنة وأهلها، ولذا قال تعالى فيها: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) وذلك هو عين التقوى، ولم يقل: لمن آمن أو أطاع أو نحوه، لتوافق الألفاظ في التفصيل، ويعرف بما ذكر أن هذه السورة شرح لآخر السورة قبلها.

موضوعات سورة الرحمن

امتن الله على الخلق بتعليم القرآن وخلق الإنسان وإعطائه القدرة على الإعراب والبيان عما في نفسه عن طريق الكلام.

ثم لفت الله أنظار الخلق للنظر في صفحات هذا الوجود ليستدل الإنسان من خلال النظر والتأمل على عظمة الله وقدرته.

فتكلم الله عن المشْرِقين والمغْرِبين والشمس والقمر والنجوم والشجر والسماء والميزان، والبحرين بينهما برزخ لا يبغيان، وما أخرجه الله للناس من الأرض من فاكهة ونخل .

وبعد أن تحدث الله عن عظمة الخلق وما جعله الله للعباد في الأرض تحدث بعد ذلك عن مشهد الفناء الذي يشمل الإنس والجن وكل ما خلق الله في السماوات والأرض، بحيث لا يستثنى من هذا الفناء شيء ولا يبقى إلا وجه الله.

ثم تتحدث الآيات عما أعده الله لعباده في الآخرة من مشاهد النعيم في الجنة التي أعدها الله لعباده المتقين، ومشاهد العذاب التي أعدها الله للعاصين الكافرين.

وهذه الشؤون المختلفة لحالة هذا الكون هي شؤون مقدرة في علم الله فهي أمور يبديها الله ولا يبتديها.

ما تميزت به سورة الرحمن

تميزت سورة الرحمن بقصر آياتها، وجرسها الخاص، وكثرة التكرار لقول الله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان). حيث تكررت في السورة إحدى وثلاثين مرة.

والآلاء هي النعم والمعنى: أن نعم الله عليكم وافرة فبأي شيء من هذه النعم تكذبان وهذا خطاب للإنس والجن على حد سواء.

فكلما ذكر الله نعمة أنعم بها على عباده وبخ على التكذيب بها، وقد حسن التكرار بالتذكير بالنعم لاختلاف ما يقررهم الله به.

وذلك لتذكير الإنس والجن بنعم الله الجليلة، التي لا يستطيعون جحدها ولا إنكارها، حيث تتحدى الآيات الجن والإنس بعد ذكر كل نعمة إن كانا يقدران على التكذيب بشيء من هذه الآيات التي وضعها الله للعباد في الأرض.

فسورة الرحمن فيها إشهاد عام للجن والإنس على كل ما هو موجود.

وقفة مع آية من آيات سورة الرحمن

في قول الله تعالى: (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)

يسأله أهل السماوات والأرض ما يحتاجون إليه، وفي كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدد أحوالا.

روي أن أحد الملوك سأل وزيره عن هذه الآية، فطلب منه الوزير أن يمهله للغد فذهب مهموما حزينا فقال له غلامه الأسود:

يا مولاي أخبرني ما أصابك فأخبره؟ فقال: أنا أفسرها للملك، فقال: أيها الملك:

شأن الله أن يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي،

ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافي، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويغني فقيرا ويفقر غنيا،

فقال الملك: أحسنت، وأمر الوزير أن يخلع عليه ثياب الوزارة، فقال الغلام الأسود: يا مولاي هذا من شأن الله.

أي أن هذا التغير الذي حدث في حال الوزير بعد أن خلع ثياب الوزارة، وحال الغلام بعد أن لبس ثياب الوزارة، من شأن الله.

فهذه الأمور المتغيرة إنما هي أمور معلومة في علم الله في الأزل، فهو يبديها أي يظهرها للعباد، ولا يبتديها أي لا يبتديء إنشاءها.