أحكام الرقية الشرعية من الكتاب والسنة

الرقية الشرعية من الكتاب والسنة لها أحكام لابد وأن يكون الإنسان على معرفة بها حتى لا يقع في محظور من المحظورات التي حرمها الشرع من الشرك أو التعلق بغير الله.

اللجوء إلى الله

لا شك أن الإنسـان عرضـة للأمراض، ومع ذلك لا يصيبه منها إلا ما كتبه الله عليه، فيجب اللجوء إلى الله، فالنفع والضر بيده تعالى وحده، فإذا وقع البلاء أو المرض فيشرع للعبد الأخذ بالأسباب لزواله، ومن أهم الأسباب لإزالة كثير من البلاء والأوبئة والأمراض الرقية الشرعية.

ميزان الإيمان

إن معيار صحة الإيمان، هو الشكر على النعماء، والرضا بالقضاء، والصبر على البلاء، ولقد رغب النبي -صلى الله عليه وسلم- في التداوي من الأمراض المختلفة، فقال: ﴿يَا ‌عِبَادَ ‌اللَّهِ ‌تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً﴾ (رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني).

ولذا فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يداوي نفسه بالرقية، وكان يأذن لغيره في أن يعالج غيره بالرقية.

وإذا كنا نعيش اليوم في عصر تفشى فيه الأمراض الجسدية والنفسية، فإن الحصانة تكمن في الرقية الشرعية، وما انتشر القلق والأرق والاكتئاب، إلا لما غفل كثير من الناس عن ذكر الله تعالى.

حقيقة الرقية الشرعية

الرقية الشرعية: هي الأذكار من القرآن الكريم، والأدعية الثابتة في السنة النبوية، أو الأدعية الأخرى المشروعة التي يقرؤها الإنسان على نفسه، أو يقرؤها عليه غيره، ليعيذه الله من الشرور بأنواعها، من الأمراض وشرور جميع المخلوقات من السباع والهوام والجن والإنس وغيرها، فيعيذه منها بدفعها قبل وقوعها، بأن لا تصيبه، أو يعيذه منها بعد وقوعها بأن يرفعها ويزيلها عنه.

حكم الرقية الشرعية

أجمع العلماء على جواز الرقية الشرعية، سواء لدفع البلاء قبل وقوعه، أو لرفعه بعد وقوعه، فَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، ‌لَا ‌بَأْسَ ‌بِالرُّقَى ‌مَا ‌لَمْ ‌يَكُنْ ‌فِيهِ ‌شِرْكٌ﴾ (رواه مسلم).

فالرقى معروفة قبل الإسلام، ونهى الشرع عنها في بداية الإسلام، ثم رخص فيها ما لم يكن فيها شرك، أو كلام غير مفهوم.

الرقية الشرعية من الكتاب والسنة علاج

الرقية الشرعية علاج بإذن الله -عز وجل- من أمراض القلوب، سواء كانت نفسية أو غيرها، كضيق الصدر، والقلق، والخوف، والاضطراب، وقسوة القلوب، وغير ذلك مما يعتري البشر، خاصة إذا كثرت أسباب قسوة القلوب، وأكثر ما يحتاج الناس في الرقية اليوم، في علاج أمراض القلوب الأمراض النفسية، وهي داخلة ضمن أمراض القلوب.

أما أمراض الأبدان العضوية، فلا شك أن القرآن الكريم، والأدعية المشروعة، سبب بإذن الله -عز وجل- من أسباب العلاج لبعض من الأمراض العضوية، فما دام المرض يحتمل أن يعالج، فإن الاستشفاء بالرقية الشرعية يكون سببا من أسباب علاج المرض بإذن الله، سواء كان نفسيا أو عضويا.

ضواط الرقية الشرعية

  • الضوابط العامة للرقية الشرعية

سلامة الاعتقاد، وإخلاص النية، وصدق التوكل على الله، والاعتماد عليه, والإقبال على الله مع التوبة النصوح، والعمل بالقرآن الكريم وتدبر ألفاظه.

  • الضوابط الشرعية للراقي

أن يكون الراقي مسلما، عدلا، وأن يعتقد الراقي أن الله هو الشافي، وأن يكون الراقي عالما بطرق المعالجة بالرقية الشرعية.

شروط الرقية الشرعية

1- أن تكون الرقية الشرعية من الكتاب والسنة، فلا تتضمن شركا.

2- أن تكون باللغة العربية: واضحة الألفاظ ومفهومة المعني: فالرقية تكون محرمة إذا حوت على أسماء لا يفهم معناها؛ لأنها تجر إلى الشرك، وقد نُهي عن الرقية إذا كان فيها شرك، أو استعمل شئ من ذلك، على الوجه الذي كانوا يستعملونه في الجاهلية من إضافة الشفاء إليها دون الله -عز وجل-.

٣ – ألا يعتقد المرء أن الرقية تنفع بذاتها: فالرقية سبب يقع أثره بتقدير الله -عز وجل- فلا تأثير لها إلا بإذن الله -عز وجل-.

الرقية الشرعية توفيقية وليست توقيفية

بمعنى أن الرقى لا يجب فيها الالتزام بنص أو ذكر معين، من السور والآيات الكريمة، أو الرقى من السنة النبوية، بل إن رقى بذكر أو قراءة، فرأى أثرها الطيب، فله أن يكررها ما لم يكن فيها محذور يخالف صحيح العقيدة.

فالتداوي بالرقى كالتداوي بالأدوية، مبني على التجربة، لا على التلقي، يؤيد ذلك: قوله صلى الله عليه وسلم: ﴿اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ﴾ (رواه مسلم)، فلم يلزمهم بذكر بعينه، مع إرشادهم لأنفع أوراد الرقية الشرعية.

جواز أخذ الأجرة على الرقية الشرعية

اتفق الفقهاء على جواز أخذ الأجر على الرقية الشرعية، حيث أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه-، على أخذ الأجر على رقيته لرجل لديغ بسورة الفاتحة، فقال:

﴿وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ. ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا﴾ (رواه البخاري ومسلم)،

فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ،

فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ ، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ ، فَأَتَوْهُمْ ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ  مِنْكُمْ شَيْءٌ ،

فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ وَاللهِ إِنِّي لَرَاقٍ ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا ، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا ، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ ،

فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حَتَّى لَكَأَنَّمَا نَشِطَ مِنْ عِقَالٍ ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ ،

قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا ، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرُوا لَهُ ،

فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ أَصَبْتُمُ ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ﴾، وفي رواية: ﴿إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ﴾ (رواه البخاري).

في هذا الحديث يروي أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-، أن جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- انطلقوا في أحد أسفارهم، فمروا أثناء سفرهم على قبيلة، فسألوهم الضيافة فامتنعوا من ضيافتهم، فبينما هم في ديارهم، إذا برئيس القبيلة تلدغه عقرب،

فسعت جماعته في علاجه فلم يفلح علاجهم، فقال أحدهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط لعل عندهم شيء ينفع في العلاج، فأخبرهم أحد الصحابة -رضي الله عنهم- أنه سيعالجه بالرقية، بشرط أن يعطوهم أجرة على علاجه؛ وذلك لمنعهم ضيافتهم لهم، فاتفقوا معه على قطيع من الغنم يدفع إليهم مقابل علاجهم لمريضهم.

فذهب معهم إلى المريض، وأخذ يتفل عليه من ريقه وهو يقرأ فاتحة الكتاب، فانقطعت آلامه فأعطوهم القطيع من الغنم الذي تعاقدوا معهم عليه،

فقال بعض الصحابة: نقسم هذا القطيع بيننا، ونأكله، فنهاهم أبو سعيد -رضي الله عنه-، حتى يصلوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويخبروه بقصتهم، فلما جاؤوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحكوا له ما حدث لهم،

قال النبي صلى الله عليه وسلم للراقي: ما يدريك أن الفاتحة رقية عظيمة، ثم قال صلى الله عليه وسلم: قد أصبتم ووفقتم في علاجكم لهذا الرجل اللديغ؛ ثم أمرهم أن يقسموا تلك الأغنام، وشاركهم فيها صلى الله عليه وسلم؛ ليعلموا أنه خال من كل شبهة.

صفة  الرقية الشرعية

  • المسح مع القراءة لمن به وجع

عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، أنه شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ (ثَلَاثًا)، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ﴾ (رواه مسلم)،

قال: ﴿فَقُلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللهُ مَا كَانَ بِي، فَلَمْ أَزَلْ آمُرُ بِهَا أَهْلِي وَغَيْرَهُمْ﴾ (رواه مالك).

  • الرقية بالأدعية والأذكار

كما في حديث رقية جبريل -عليه السلام-، للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن أبي سعيد:

﴿أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ: بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللهُ يَشْفِيكَ، بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ﴾ (رواه مسلم).

لا تعارض بين الرقية الشرعية والطب الحديث

أقرت الشريعة الرقية الشرعية للتداوي، وذلك بتلاوة آيات وسور من القرآن الكريم على الأمراض الجسدية، وجعلتها أسبابا نافعة بإذن الله تعالى، فحري بالمسلم أن لا يدع الرقية الشرعية والدعاء في طلب الشفاء ودفع البلاء.

والرقية الشرعية لا تعني ترك التداوي بالأدوية المادية، والاكتفاء بقراءة آيات من القرآن الكريم، فليس ذلك من الفقه، ولكن ينبغي الجمع بين الأمرين، الأسباب المادية، والأسباب الشرعية، مع تعلق القلب بالله تعالى وحده،

فهو النافع وهو الشافي والدافع لجميع الأمراض، وهو النافع والواهب للصحة والعافية، وهو الذي يحول بين هذه الأسباب وبين مقتضياتها، وهو الذي يجعل فيها النفع سبحانه وتعالى.

أحيانا بعض الأمراض لا يمكن علاجها إلا عن طريق الطب النفسي، ولا حرج في هذا، فمن الظواهر السلبية خشية اللجوء إلى العيادات النفسية، وهذا خطأ، فأغلب الناس يلجأ إلى الكهنة والسحرة والدجالين، ولا يلجأ إلى العيادة النفسية، وبعض الناس يعتقدون أن العلاج النفسي يعني الجنون، وهذا خطأ.

كذلك كثير من المرضى يظن أن العلاج النفسي إذا تناوله المريض لا يمكن أن يستغني عنه، وهذا غير صحيح، فإن أغلب علاجات الأمراض النفسية ليست من النوع الذي يدمنه المريض، أو يعتاده، وأنه بإمكانه إذا شفي أن يستغني عنه، لكن الناس توهموا غير ذلك.

سماع الرقية الشرعية مسجلة

سماع الرقية الشرعية من شريط الكاسيت، أو الهاتف المحمول، أو قنوات اليوتيوب، أو غير ذلك من الوسائل، نافع إن شاء الله تعالى، وقد استفاد بهذا كثيرون، وإن كان الأفضل أن يقرأ الإنسان القرآن بنفسه، أو يقرأ عليه غيره.

وقد أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: بأن قراءة سورة البقرة من الراديو يحصل بها طرد الشيطان من البيت. (انظر: مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (24 / 413).

وقت الرقية الشرعية

ليس هناك وقت معين للرقية الشرعية، فهي مشروعة في كل وقت، ولم يتقيد ورودها في السنة بوقت دون آخر، بل تفعل في أي وقت من ليل أو نهار،

ولو تحرى بها بعض أوقات إجابة الدعاء، كالثلث الأخير من الليل، أو آخر ساعة من يوم الجمعة، لكن ليس لأن للرقية تقيدا بوقت معين؛ بل لأن الرقية في حقيقتها دعاء ورغبة إلى الله، فلو تحرى بها وقت إجابة الدعاء، فهو أفضل، وهكذا سائر الأوقات التي يرجى فيها إجابة الدعاء.

مواضيع ذات صلة