حرمة شرب الخمر وبيعها والانتفاع بها

كانت هذه الخمور من المشروبات التي لا تخلوا منها موئد العرب كالماء، بل كان لها مكان في أشعارهم يصفونها ويتغزلون فيها.

دليل حرمة الخمر من القرآن

لما حرم الله الخمر لم يحرمها دفعة واحدة وإنما تدرج في تحريمها فذكرها مرة في مقابلة الشيء الحسن ليشير إلى أنها شيء سيء، فقال الله:

(وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ ‌سَكَرٗا ‌وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ).

وذكر الله بأن فيها منافع بالتجارة فيها والانتفاع منها، وفيها إثم، لكن إثمها أكبر من نفعها، فقال الله:

(يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ ‌إِثۡمٞ ‌كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ).

ثم حرمها الله تحريما جزئيا في وقت الصلاة فكانوا يمتنعون عنها وقت الصلاة وأحيانا يتركونها وقت النهار لتقارب أوقات الصلاة ثم يشربونها بعد العشاء، قال الله:

(يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ‌لَا ‌تَقۡرَبُواْ ‌ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ).

ثم حرمها الله تحريما قاطعا فقال: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ‌ٱلۡخَمۡرُ ‌وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ).

قول عمر في الخمر

عن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بين لنا في الخمر ‌بيانا ‌شافيا، فنزلت هذه الآية التي في سورة البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)

قال: فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر ‌بيانا ‌شافيا، فنزلت الآية التي في سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)

فكان منادي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أقام الصلاة نادى أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر ‌بيانا ‌شافيا، فنزلت الآية التي في

المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ: (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال: فقال عمر انتهينا، انتهينا. [أحمد]

دليل حرمة الخمر من السنة

من الأحكام الواردة في هذا الحديث حرمة شرب الخمر، وحرمة التجارة فيها، وحرمة الانتفاع بثمنها فإن ما حرم الله بيعه حرم الانتفاع به وأكل ثمنه.

عن عائشة -رضي الله عنها- لما نزلت آيات سورة البقرة عن آخرها، خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (حرمت ‌التجارة ‌في ‌الخمر)[البخاري]

وهذا الحديث صريح في بيان حرمة التجارة في الخمر لأنها مما يؤذي الناس ويضرهم ويذهب بعقولهم.

حرمة شرب وبيع الخمر

عن ‌أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب بالمدينة قال: (يا أيها الناس، إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيء فليبعه ولينتفع به).

قال: فما لبثنا إلا يسيرا حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله تعالى حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء ‌فلا ‌يشرب ‌ولا ‌يبع). قال: (فاستقبل الناس بما كان عنده منها في طريق المدينة فسفكوها)[مسلم]

وفي هذا الحديث بيان أن الخمر لا يجوز شربها ولا الانتفاع بها ببيعها، وبيان لمدى سرعة استجابة الصحابة لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- لتنفيذ أمر الله.

قال ابن عباس: إن رجلا أهدى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- راوية خمر، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌هل ‌علمت ‌أن ‌الله ‌قد حرمها؟) قال: لا.

فسارَّ إنسانا، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بم ساررته؟) فقال: أمرته ببيعها، فقال: (إن الذي حرم شربها حرم بيعها). قال: ففتح المزادة حتى ذهب ما فيها.[مسلم]

الخمر ملعونة

فهذه الخمر ملعونة ملعون بسببها كل من كان له صلة بها ومن سعى فيها، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

(‌لعن ‌الله ‌الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه)[أبو داود]

فالخمر ملعون بسببها كل من له صلة بها لأنه مشارك في جلب الشرور للناس، فشاربها هو من يذهب عقله بشربها ويرتكب الكبائر والشرور بفعلها،

ويدخل فيمن يتحمل إثم هذه الخمر ساقي الخمر والبائع لها والمشتري لها سواء كان يشتريها لنفسه أو يشتريها لغيره ليشربها، والذي يقوم على بتصنيعها أو بعصرها أو من يطلب عصرها لنفسه أو لغيره، ومن يحملها لغيره ومن تحمل الخمر له ليشربها أو ليبيعها لغيره.

الخمر أم الخبائث

من يشرب الخمر يرتكب كل الكبائر فهي أم الخبائث لأنها تذهب بالعقول، والإنسان إذا ذهب عقله فلا خير فيه، ففاقد العقل يرتكب كل الكبائر والخبائث، فهي جالبة لكل أنواع الشرور.

عن ‌عثمان -رضي الله عنه- قال: (اجتنبوا الخمر؛ ‌فإنها ‌أم ‌الخبائث، إنه كان رجل ممن خلا قبلكم تعبد، فعلقته امرأة غوية فأرسلت إليه جاريتها، فقالت له:

إنا ندعوك للشهادة، فانطلق مع جاريتها فطفقت كلما دخل بابا أغلقته دونه، حتى أفضى إلى امرأة وضيئة، عندها غلام، وباطية خمر،

فقالت: إني والله ما دعوتك للشهادة، ولكن دعوتك لتقع علي، أو تشرب من هذه الخمرة كأسا، أو تقتل هذا الغلام.

قال: فاسقيني من هذا الخمر كأسا، فسقته كأسا، قال: زيدوني فلم يرم حتى وقع عليها، وقتل النفس،

فاجتنبوا الخمر؛ فإنها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر إلا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه )[النسائي]

استجابة الصحابة لأمر الله

بمجرد أن نزل تحريم الخمر التي كانت جزءا من حياة هؤلاء العرب استجابوا من فورهم لدرجة أن بعضهم وصله التحريم وهم يشربون الخمر وقد كانت الكؤوس في أيديهم فأنزلوا تلك الكؤوس وكسروا تلك الجرار التي كانت بها الخمور حتى جرت الخمور في سكك المدينة.

عن أنس -رضي الله عنه- كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مناديا ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت،

قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، ‌فجرت ‌في ‌سكك ‌المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل الله:

(لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ ‌فِيمَا ‌طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ)[البخاري]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.