حادثة الإفك

في العام السادس من الهجرة وأثناء رجوع النبي –صلى الله عليه وسلم- من غزوة بني المصطلق حدثت حادثة هزت المجتمع المسلم هزا عنيفا و آلمت قلب النبي –صلى الله عليه وسلم- وهي حادثة الإفك .

حيث طعن المنافقون في عِرض النبي –صلى الله عليه وسلم- في أحب زوجاته إلى قلبه وهي عائشة –رضي الله عنها- وابنة أحب الرجال إليه وهو أبو بكر الصديق –رضي الله عنه-.

بدايات حادثة الإفك:

كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إذا أراد الخروج للغزو أو السفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرجت لها القرعة خرجت معه، فكانت التي خرجت مع النبي –صلى الله عليه وسلم- في غزوة بني المصطلق عائشة -رضي الله عنها-.

وأثناء رجوع الجيش من هذه الغزوة نزلوا منزلا، فخرجت عائشة لقضاء حاجتها، فابتعدت عن الجيش وأثناء رجوعها وجدت أنها فقدت عقدها فرجعت تبحث عنه في موضعها الذي كانت فيه، وفي هذه الأثناء أمر رسول الله الجيش بالرحيل فحملوا هودجها ولم يشعروا أنها ليست فيه لأنها كانت خفيفة اللحم وقتها وانصرف الجيش.

رجوع عائشة لموضع الجيش الذي انصرف:

رجعت عائشة إلى موضع الجيش فلم تجد شيئا، فجلست في موضعها أملا أن يرجعوا إليها إذا افتقدوها فجلست في موضعها فغلبتها عيناها فنامت، وكان هناك صفوان بن المعطل من عادته أنه كثير النوم فكان يتأخر عن الجيش ويلتقط لهم ما سقط منهم، فلما رأى عائشة وكان يراها قبل نزول الحجاب استرجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فاستيقظت عائشة على صوته، فأناخ راحلته فقربها إليها، فما كلمها كلمة واحدة، فركبت ثم سار بها يقودها، حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة، فوجد الخبيث عبد الله بن أُبيّ بن سلول رأس المنافقين فرصته فجعل ينشر بين الناس حديث الإفك، وأفاض الناس في الحديث وانتشر الأمر بين الناس ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ساكت لا يتكلم.

وكان يستشير أصحابه في هذا الأمر، وانقطع الوحي شهرا كاملا عن النبي –صلى الله عليه وسلم-، فأشار عليه علي -رضي الله عنه- أن يفارقها تعريضا لا تصريحا حيث قال: النساء غيرها كثير. وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الخائضين.

موقف عائشة مما أُشيع عنها:

لما رجعت عائشة –رضي الله عنها- كانت قد أصابها المرض ولم تكن تعلم شيئا عما يقوله الناس في شأنها، غير أنها كانت لا تشعر باللطف الذي كانت تجده من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك، فخرجت يوما مع أم مسطح ليلا لتقضي حاجتها فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح -تدعو على ولدها-. فأنكرت عليها عائشة قولها، فأخبرتها أنه يردد ما يقوله الناس عنها.

فازدادت عائشة –رضي الله عنها- مرضا على مرضها، ثم استأذنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تُمَرَّض في بيت أبويها وهي تريد أن تستيقن الخبر، ثم أتتهما وتأكدت من صحة ما قالته لها أم مسطح، فجعلت تبكي ولا ينقطع لها دمع، فبكت ليلتين ويوما، لم تكن تكتحل بنوم ولا يرقأ لها دمع.

محاورة النبي لعائشة أمام أبويها:

جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتشهد وقال: (أما بعد يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب إلى الله تاب الله عليه

قالت: فلما قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عني فيما قال: فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما قال: قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا إلا أبا يوسف حين قال: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)

ثم تحولت واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في النوم رؤيا يبرئني الله بها.

براءة عائشة –رضي الله عنها-:

فوالله ما رام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان، وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسري عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يضحك، فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: (يا عائشة، أما الله فقد برأك).

قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله -عز وجل- قالت: وأنزل الله تعالى: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم…) العشر آيات، ثم أنزل الله هذا في براءتي.

قال أبو بكر الصديق: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: (ولا يأتل أولو الفضل منكم…) إلى قوله (غفور رحيم)،

قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا)]البخاري[.

عقاب الله للمنافقين:

وهكذا أنزل الله تعالى في القرآن آيات تتلى إلى يوم القيامة تبين عقوبة هؤلاء المنافقين الذين خاضوا وأمثالهم الذين يخوضون في أعراض المسلمات العفيفات الطاهرات،

فقال الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ)

وأظهر الله براءة عائشة –رضي الله عنها- مما رماها به المنافقون في عشر آيات تتلى إلى يوم القيامة حتى قال في آخرها: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).

مواضيع ذات صلة