خطورة النفاق والمنافقين على الجماعة المؤمنة

النفاق هو المرض العضال الذي يهدد أمة الإسلام وهذا النفاق وهؤلاء المنافقون لا يزالون على نفاقهم إلى يوم القيامة.

متى ظهر النفاق

لم يظهر النفاق والمنافقون في الفترة المكية وذلك لأن المسلمين كان مستضعفين وكانت القوة والغلبة للكافرين، فلم تكن هناك حاجة للنفاق؛ لأن النفاق إنما يظهر أمام القوة.

فلما هاجر المسلمون إلى المدينة وصارت لهم قوة وصارت لهم دولة خاف المنافقون على أنفسهم فكانوا يسرون بنفاقهم؛ لأنه الآن أمام قوة، فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر خوفا وجبنا.

معاملة النبي للمنافقين

كانت معاملة النبي -صلى الله عليه وسلم- للمنافقين تجرى على أساس الظاهر منهم وهو الإسلام والله يتولى السرائر.

فبالرغم من أن رسول الله كان يعرف بواطنهم لكن رسول الله كان يتألفهم ولئلا تكون ذريعة لمن يأتي من بعده بأن يتهم أي أحد بالنفاق.

فنحن نتعامل مع الناس على حسب الظاهر منهم أما بواطنهم وما تحمله قلوبهم فهذا لله وحده، فقد يكون الرجل ظاهر الإسلام في الدنيا لكنه عند الله كافر لأنه يكتم كفره.

عن ‌أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلا فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك،

فذكرته للنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أقال: لا إله إلا الله، وقتلته؟)

قال: قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: (‌أفلا ‌شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟) فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.[مسلم]

قال الخطابي: فيه من الفقه: أن الكافر إذا تكلم بالشهادة، وإن لم يصف الإيمان، وجب الكف عنه، والوقوف عن قتله، سواء بعد القدرة عليه أو قبلها.

قبول اعتذار المنافقين

كان رسول الله يقبل من المنافقين اعتذارهم إذا اعتذروا حتى يؤلف قلوبهم للإسلام.

عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي يقول: ‌لا ‌تنفقوا ‌على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فذكره للنبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا،

فكذبني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت.

فقال لي عمي: ما أردت إلى أن كذبك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومقتك؟ فأنزل الله تعالى:

(إذا جاءك المنافقون). فبعث إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ فقال: (إن الله قد صدقك يا زيد)[البخاري]

ويؤخذ من هذا الحديث ترك مؤاخذة كبير القوم بالهفوات لئلا يؤدي ذلك إلى نفوره ونفور أتباعه.

اعتذار المنافقين في غزوة تبوك

لما نادى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للخروج لغزوة تبوك وكان وقت حر وجدب وكادت الثمار أن تطيب، وكانوا يحبون المقام في ظلال أشجارهم،

جاء بعض المنافقين للنبي يعتذرون عن الخروج معه للغزو وكان من بين هؤلاء المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول والجد بن قيس،

حتى قال بعض المنافقين لا تخرجوا للغزو في الحر، ففضح الله أمرهم وأظهر حقيقة ما تكتمه قلوبهم فقال:

(فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ ‌لَا ‌تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ).

وقال الله: (‌لَوۡ ‌كَانَ ‌عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ).

محاولة اغتيال النبي

كان من الجرائم التي قام بها هؤلاء المنافقون أنهم أراداو أن يغتالوا رسول الله عند رجوعه من غزوة تبوك بإسقاطه من على العقبة وهو طريق وعر في الجبل فعصم الله رسوله منهم وكانوا اثنى عشر ملثما.

عن أبي الطفيل، قال: لما أقبل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة تبوك أمر مناديا فنادى:

إن رسول الله أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل،

غشوا عمارا وهو يسوق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل.

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحذيفة: ” قد، قد ” حتى هبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

فلما هبط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نزل ورجع عمار، فقال: (يا عمار، هل عرفت القوم؟)

فقال: قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال: (هل تدري ما أرادوا؟) قال: الله ورسوله أعلم.

قال: (أرادوا أن ينفروا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيطرحوه) قال: فسأل عمار رجلا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: نشدتك بالله، كم تعلم كان أصحاب العقبة فقال: أربعة عشر.

فقال: إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر، فعذر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهم ثلاثة قالوا:

والله ما سمعنا منادي رسول الله، وما علمنا ما أراد القوم، فقال عمار: أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد.

قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال للناس: وذكر له: أن في الماء قلة فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مناديا فنادى:

(أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله فورده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجد رهطا قد وردوه قبله، فلعنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ)[أحمد]

وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن مصير الاثنى عشر منافقا هؤلاء فقال:

(في أصحابي اثنا عشر منافقا، فيهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة)[مسلم]

حذيفة هو صاحب السر

لقد أعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- أسماء هؤلاء الاثنى عشر منافقا دون غيره لذلك كان يقال له صحاب السر.

عن عروة بن الزبير، قال: بلغنا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين غزا تبوك نزل عن راحلته فأوحي إليه ‌وراحلته ‌باركة.

فقامت تجر زمامها حتى لقيها حذيفة بن اليمان، فأخذ بزمامها فاقتادها حتى رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالسا، فأناخها ثم جلس عندها حتى قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأتاه فقال:

(من هذا؟) فقال: حذيفة بن اليمان، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فإني أسر إليك أمرا فلا تذكرنه، إني قد نهيت أن أصلي على فلان وفلان) رهط ذوي عدد من المنافقين،

لم يعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرهم لأحد غير حذيفة بن اليمان، فلما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في خلافته إذا مات رجل يظن أنه من أولئك الرهط أخذ بيد حذيفة فاقتاده إلى الصلاة عليه.

فإن مشى معه حذيفة صلى عليه، وإن انتزع حذيفة يده فأبى أن يمشي معه انصرف عمر معه فأبى أن يصلي عليه، وأمر عمر -رضي الله عنه- أن يصلى عليه.[السنن الكبرى للبيهقي]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.