حجة الوداع في العام العاشر كما رواها جابر بن عبد الله-الجزء الأول

حجة الوداع هي الحجة التي ودع فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس والدنيا، وكانت في العام العاشر من الهجرة النبوية،

وقد خطب فيها رسول الله خطبة لخص فيها معالم الإسلام التي جاهد في سبيله ثلاثة وعشرين عاما.

حديث جابر في حجة الوداع

من أجمع الأحاديث في حجة الوداع وأحسنها، سياق الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله، وهو حديث رواه الإمام مسلم وغيره.

فقد روى فيه جابر حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- كاملة من وقت خروجه من المدينة للحج إلى آخر الحج.

قال الإمام النووي: وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ومهمات من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم.

متى كانت حجة الوداع

عن جابر بن عبد الله قال: (إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكث ‌تسع ‌سنين ‌لم ‌يحج. ثم أذن في الناس في العاشرة؛ أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاج..)

كان حج النبي -صلى الله عليه وسلم- في العام العاشر من الهجرة بعد أن مكث تسع سنين بالمدينة لم يحج لكنه قد اعتمر قبل ذلك.

وكان فرض الحج في العام التاسع، وقيل: في العام السادس عام الحديبية، وقيل: في العام الثامن.

ثم أمر رسول الله مناديا أن ينادي في الناس أنه حاج لبيت الله الحرام في هذا العام العاشر، وإنما أعلن رسول الله هذا ليكثر الناس .

الكل يريد أن يأتم برسول الله

يقول جابر: (فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة..)

لما أعلن رسول الله في الناس أنه حاج لبيت الله الحرام أقبل الناس من كل حدب وصوب يريدون أن يأتموا برسول الله -صلى الله عليه وسلم-

وهذا تحقيق لقول الله تعالى: (وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ ‌بِٱلۡحَجِّ ‌يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ).

وقد كان بالناس حرص على الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنهم قد تعلموا أمر صلاتهم، وتعلموا أمر صيامهم وزكاتهم لكن بقي أن يتعلموا أمر فريضة الحج.

تلك الفريضة التي تعلق بها كثير من أدران الجاهلية، فها هو رسول يعلن أنه خارج لأداء هذه الفريضة، ليأخذوها عنه صافية من وثنيات العرب التي تعلقت بها.

وتلك فرصة لأن يلتقي الناس بنبيهم في بيت الله الحرام وفي سفوح عرفات، فهناك أناس من هؤلاء لم تتح لهم فرصة اللقاء بنبيهم.

حرص النساء على الخروج للحج

يقول جابر: (فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كيف أصنع؟ قال: (اغتسلي، واستثفري بثوب وأحرمي)

وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الجميع كان حريصا على الخروج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ليأتموا به في أداء فريضة الحج.

فأسماء بنت عميس كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب، فلما قتل تزوجها أبو بكر، ثم تزوجها علي بن أبي طالب بعد ذلك.

وأما محمد فهو بن أبي بكر -رضي الله عنه- فهو من أصغر الصحابة.

فلما ولدت أسماء بنت عميس، محمد بن أبي بكر سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا تصنع فأمرها أن تغتسل غسل النفساء للإحرام، وهذا للنظافة وليس للطهارة.

وأمرها بالاستثفار وهو أن تضع على موضع خروج الدم خرقة عريضة، وأن تنوي الإحرام.

صلاة النبي الظهر

يقول جابر: (فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء).

صلى رسول الله الظهر ركعتين بمسجد بمسجد ذي الحليفة، ثم ركب ناقته التي تسمى بالقصواء، ثم رفع صوته بالتلبية، يقول: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك.

اجتماع الناس حول النبي

يقول جابر: (نظرت إلى مد بصري بين يديه، من راكب وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك.

ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به).

لما أعلن رسول الله خروجه للحج اجتمع الناس حوله يملؤن ما يمتد به النظر من كل الجهات.

تلك الجموع الغفيرة والأعداد الهائلة كان كثير منها يجتمعون حول النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل ذلك يريدون إنزال الأذى به.

هاهم اليوم يجتمعون حوله خاشعين خاضعين، يريدون أن يأتموا به لأداء شعيرة من أجل شعائر الإسلام وهي شعيرة الحج.

التلبية في الحج

يقول جابر: (فأهل بالتوحيد لبيك اللهم! لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك،

وأهل الناس بهذا الذي يهلون به، فلم يرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تلبيته).

رفع رسول الله صوته بكلمة التوحيد وهي التلبية وهي بالنسبة للحج بمنزلة تكبيرة الإحرام بالنسبة للصلاة.

وهذه التلبية هي عنوان التوحيد أي أننا نفعل ذلك ونخرج للحج استجابة لأمر الله وليس من أجل تلك الأحجار التي بني منها البيت الحرام ولا الكعبة، فهي كغيرها لكن الاستجابة لأمر الله.

نية الحج

قال جابر -رضي الله عنه-: (لسنا ننوي إلا الحج، لسنا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيت معه، استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا).

كان العرب في الجاهلية يرون أن من أفجر الفجور العمرة في أشهر الحج، فلما خرجوا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- للحج لم يخطر ببالهم شيء غير الحج استصحابا لما كانوا عليه في الجاهلية من حرمة العمرة في زمن الحج،

حتى بين لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- جواز العمرة في أشهر الحج فمن أحب أن يهل بعمرة فليهل ومن أحب أن يهل بحج فليهل.

ووصل رسول الله إلى البيت فنزل بذي طوى واغتسل هناك ودخل مكة من الثنية حتى استلم الركن أي الحجر الأسود فأسرع يهز منكبيه ثلاث مرات من الأشواط السبعة ثم يمشي في الأربعة الباقية من الأشواط السبعة.

الصلاة عند مقام إبراهيم

قال جابر: (ثم نفذ إلى مقام إبراهيم عليه السلام، فقرأ: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بينه وبين البيت. ..

كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون، ثم رجع إلى الركن فاستلمه).

فصلى ركعتين خلف المقام وقرأ في الأولى بعد الفاتحة سورة الإخلاص، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة سورة الكافرون،

وفي رواية على العكس فالأولى الكافرون والثانية الإخلاص لإعلان البراءة من الشرك أولا ثم إثبات التوحيد ثانيا، ثم استلم الحجر الأسود كالمودع له.

السعي بين الصفا والمروة

قال جابر: (ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) “أبدأ بما بدأ الله به” فبدأ بالصفا، فرقي عليه.

ما يقال من الدعاء فوق جبل الصفا

قال جابر: (حتى رأى البيت فاستقبل القبلة، فوحد الله، وكبره، وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات).

الدعاء فوق جبل المروة

قال جابر: (ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، حتى إذا صعدتا مشى، حتى إذا أتى المروة، ففعل على المروة كما فعل على الصفا).

دخول العمرة في زمن الحج

قال جابر: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي، وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة”.

فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصابعه واحدة في الأخرى. وقال: (دخلت العمرة في الحج) مرتين (لا بل لأبد أبد).

أمرهم رسول الله بجعل الحج عمرة ليبين لهم جواز التمتع أي يحرم بعمرة ثم يحل من عمرته فيتمتع أي يحل له كل شيء ثم بعد ذلك يحرم بالحج.

وذلك ليمحوا ما كانوا يعتقدونه من حرمة العمرة في أشهر الحج، وبين لهم رسول الله أن هذا حكم ثابت لأبد الأبد.

تعليق نية الإحرام على آخر

قال جابر: (وقدم علي من اليمن ببدن النبي -صلى الله عليه وسلم- فوجد فاطمة -رضي الله عنها- ممن حل، ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت.

فأنكر ذلك عليها فقالت: إن أبي أمرني بهذا. قال: فكان علي يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- محرشا على فاطمة للذي صنعت،

مستفتيا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما ذكرت عنه، فأخبرته أني أنكرت ذلك عليها. فقال: (صدقت صدقت، ماذا قلت حين فرضت الحج؟)

قال: قلت: اللهم! إني أهل بما أهل به رسولك. قال: (فإن معي الهدي فلا تحل)

قال: فكان جماعة الهدي الذي قدم به علي من اليمن والذي أتى به النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة.

قال: فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن كان معه هدي)

قدم علي من اليمن بهدي وهو ما يتقرب به من النعم بالذبح تقربا إلى الله -عز وجل- فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- ماذا قلت لما ألزمت نفسك بالحج

فأخبره أنه أحرم بما أحرم به رسول الله فأجاز رسول الله فعله وأمره ألا يتحلل من عمرته ولا يخرج من إحرامه حتى ينتهي من العمرة والحج معا وهذه هي نية القارن، وفيه دليل على جواز أن يعلق الرجل نيته بنية رجل آخر .

يوم التروية

قال جابر: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس).

يوم التروية هو اليوم الثامن من ذي الحجة وسمي بذلك لأن الحجاج كانوا يرتوون ويشربون فيه الماء ويسقون دوابهم،

يجتمع فيه الحجاج بمنى وأهل من كان قد تحلل من عمرته بالحج، وصلى رسول الله في منى بمسجد الخيف الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر في أوقاتها، ثم لبث حتى طلعت الشمس.

مقالات ذات صلة