الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان

الإيمان بالقضاء والقدر ركن من أركان الإيمان، ومن يجحد الإيمان بهما يكون خارجا عن شريعة الإسلام التي أوجبت الإيمان بهما.

معنى كلمة القضاء في القرآن

كلمة القضاء معناه في اللغة الحكم، ووردت هذه الكلمة في القرآن الكريم بمعان متعددة منها:

1 – الإعلام والإخبار كما في قول الله: (‌وَقَضَيۡنَآ ‌إِلَىٰ ‌بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا).
2 – الأمر كما في قول الله: (‌وَقَضَىٰ ‌رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ).
3 – أداء الشيء كما في قول الله: (فَإِذَا ‌قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ).
4 – الإرادة والمشيئة كما في قول الله: (وَإِذَا ‌قَضَىٰٓ ‌أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ).
5 – إيجاد الشيء كما في قول الله: (‌فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ).

معنى كلمة القدر في القرآن

وردت كلمة القدر في القرآن بمعان متعددة منها :
1 – مقدار الشيء وحالاته المقدرة له، قال الله: (إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ ‌بِقَدَرٖ).
2 – الترتيب والتحديد والتنظيم، قال الله: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ ‌فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا).
3 – مقدار محدد، قال الله: (وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا ‌بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ).
فكلمة القدر تدور في تصريفاتها حول مقدار الشيء وكميته.

العلاقة بين القضاء والقدر

قال الراغب الأصفهاني: “والقَضَاءُ من الله تعالى ‌أخصّ ‌من ‌القدر، لأنه الفصل بين التّقدير، فالقدر هو التّقدير، والقضاء هو الفصل والقطع، وقد ذكر بعض العلماء أنّ القدر بمنزلة المعدّ للكيل، والقضاء بمنزلة الكيل”المفردات في غريب القرآن القرآن

وجوب الإيمان بالقضاء والقدر من القرآن

من أصول الإيمان التي لا يكمل إيمان المسلم إلا به، الإيمان بالقضاء والقدر، ومعناها أن المسلم يجب عليه أن يؤمن بأن الله قدر أمورا في الأزل قبل أن تقع وقضى فيها بحكمه، وأنه لا يحدث في كون الله إلا ما كان على مراد الله مطابقا لقضائه وقدره.

قال الإمام النووي: “واعلم أن مذهب أهل الحق ‌إثبات ‌القدر ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدر الأشياء في القدم وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى”.
قال الله: (‌مَآ ‌أَصَابَ ‌مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِير)

وجوب الإيمان بالقضاء والقدر من السنة

ورد في السنة النبوية ما يدل على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن عمر أن جبريل -عليه السلام- قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما الإيمان؟
قال: (أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره)
فقال له جبريل: صدقت، قال: فتعجبنا منه يسأله ويصدقه، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ذاك جبريل، أتاكم يعلمكم معالم دينكم)[أحمد]

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)[الترمذي]

هل نترك العمل اتكالا على القضاء والقدر؟

عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر لا تعني أن نتواكل ونترك العمل ونقول كل شيء قد كتبه الله وقدره في الأزل.
عن علي -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في جنازة، فأخذ شيئا فجعل ينكت به الأرض، فقال:
(ما منكم من أحد، إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة).

قالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال:
(اعملوا ‌فكل ‌ميسر ‌لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة.
ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى ‌فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ)[البخاري]

حكم من ينكر القضاء والقدر

أفتى الصحابة -رضوان الله عليهم- بكفر من ينكر القضاء والقدر، وكان أول من أنكر القضاء والقدر هم جماعة يسمون بالقدرية.
عن ‌يحيى بن يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، ‌فانطلقت ‌أنا ‌وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين،

فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر،
فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت:
أبا عبد الرحمن، إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن، ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف، قال:

فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به ‌عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر ثم قال:

حدثني أبي ‌عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد،
حتى جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال:

يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا)

قال: صدقت، قال: فعجبنا له، يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره)

قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
قال: فأخبرني عن الساعة، قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل)

قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان)
قال: ثم انطلق، فلبثت مليا ثم قال لي: (يا عمر، أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم)[مسلم]

مقالات ذات صلة