شرح حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

اترك ما ترتاب فيه إلى ما تطمئن إليه النفس

في هذا الحديث أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نترك ما نرتاب فيه مما تعارضت فيه الأدلة، ولم يوجد ما يرجح أحدها على الآخر، إلى ما تطمئن النفس إليه من الخروج من الخلاف.

حديث دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

عن أبي الحوراء السعدي قال: قلت للحسن بن علي: ما حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: حفظت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌دع ‌ما ‌يريبك ‌إلى ‌ما ‌لا ‌يريبك، فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة)[الترمذي]

دع الشك والزم اليقين

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌دع ‌ما ‌يريبك ‌إلى ‌ما ‌لا ‌يريبك)
الريب هو القلق والاضطراب، فهنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بترك المشتبهات والأمور التي يرتاب الإنسان فيها ولا يدري أهي من الحلال أم من الحرام.
فالأحوط له أن يأخذ بالشيء الذي يزيل القلق والاضطراب عنه، وهذا أمر ربما يحتاج إليه العالم في النوازل التي لم يرد فيها نص.
قال الفضيل بن عياض: “يزعم الناس أن الورع شديد وما ورد علي أمران إلا أخذت بأشدهما فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك”.

العمل باليقين دون الشك

إذا كان الأصل في الشئ أنه حرام ثم شك الإنسان في حله فإنه يبقى على أصل الحرمة حتى يثبت الحل بيقين.
فمثلا يحرم أكل الصيد قبل ذبحه، فإذا شك في ذبحه لم يزل عنه التحريم إلا بيقين الذبح.
فعن عدي بن حاتم قال: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إذا ‌أرسلت ‌كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه).
قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال: (فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر)[البخاري]
وإذا كان الشيء حلالا وشك في الحرمة فإنه يبقى على أصل الحل، فمن كانت له زوجة وشك في طلاقها فإنه يبني على الأصل وهو حلها له، لأن اليقين لا يزول إلا بيقين.

الخروج من خلاف العلماء

هذا الحديث يستدل به العلماء على الخروج من اختلاف العلماء؛ لأنه أبعد عن الشبهة، وهذا عندما تتعارض الأدلة ولا يترجح أي منها،
ولا يدري الإنسان أهو من الحلال أم من الحرام، ولا دلالة على أحد المعنيين فالأولى الخروج من خلافهم والأخذ بالأحوط، لكن إذا كان هناك ترجيح فالأولى الأخذ بما رجح من الأدلة.

وهذا كمن تيقن طهارته لكنه شك في الحدث كأن تيقن أنه توضأ لكن شك هل غسل القدمين أم لا، في هذه الحالة يبني على اليقين وهو تيقن الطهارة ولا يزول هذا اليقين إلا بيقين مثله.
عن عباد بن تميم عن عمه: أنه شكا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: (لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى ‌يسمع ‌صوتا أو يجد ريحا)[البخاري]

الورع الكاذب

التوقف عن الشبهات ليس معناه أن يتوقف الإنسان عند كل شيء يرتاب فيه، وإنما هذا يكون في حق من استقامت أحواله كلها على التقوى والورع.
لكن من انغمس في المحرمات ثم يريد أن يتورع عن دقائق الأشياء فإن هذا ينكر عليه.

عن ابن أبي نعم قال: كنت شاهدا لابن عمر، وسأله رجل ‌عن ‌دم ‌البعوض، فقال: ممن أنت؟ فقال: من أهل العراق،
قال: انظروا إلى هذا، يسألني ‌عن ‌دم ‌البعوض، وقد قتلوا ابن النبي -صلى الله عليه وسلم- وسمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (هما ريحانتاي من الدنيا)[البخاري]

وسأل رجل بشر بن الحارث عن رجل له زوجة ‌وأمه ‌تأمره ‌بطلاقها، فقال: إن كان بر أمه في كل شيء، ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته، ثم يقوم بعد ذلك إلى أمه، فيضربها، فلا يفعل.
أما أهل الوروع فيليق بهم التورع  عن الشبه، فقد كان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها.
واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه آخر في ذلك فتبسم، فقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا.

الصدق طمأنينة

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة)
إن نفس المؤمن تطمئن للصدق وتحصل على السكينة وترتاب من الكذب أي يحصل لها قلق واضطراب.

وقال بعض العارفين: “معناه إذا كنت صحيح الخاطر طاهر الباطن، مراقبا للغيب وتعرف لمة الملك من لمة الشيطان،
والإلهام من حديث النفس، وكنت مميزا بين الحق والباطل بنور الفراسة وصفاء القلب.

دع ما يريبك من الأغلوطات والشبهات النفسانية والشيطانية إلى ما لا يريبك مما ينزل بقلبك وعقلك وروحك من الإلهام الإلهي والعلم اللدني المطابق للكتاب والحديث النبوي،
وكما أن ترك ما يريبك مأمور، فترك ما يريب الغير مما يصعب على أفهام العامة أولى. مرقاة المفاتيح

التفريق بين الحق والباطل

إن العقلاء في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا إذا سمعوا كلامه وما يدعوا إليه عرفوا صدقه في كلامه.
وإذا سمعوا كلام مسيلمة عرفوا أنه كاذب فيما يقول وأنه جاء بالباطل
قال بعض المتقدمين: صور ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قسه إلى ضده، فإنك إذا ميزت بينهما، عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب،

قال: كأنك تصور محمدا -صلى الله عليه وسلم- ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ: (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس)
ثم تتصور ضد محمد -صلى الله عليه وسلم- فتجده مسيلمة، فتتفكر فيما جاء به فتقرأ :
ألا يا ربة المخدع * قد هيئ لك المضجع
يعني قوله لسجاح حين تزوج بها،
قال: فترى هذا -يعني القرآن- رصينا عجيبا، يلوط بالقلب، ويحسن في السمع، وترى ذا -يعني قول مسيلمة- باردا غثا فاحشا، فتعلم أن محمدا حق أتي بوحي، وأن مسيلمة كذاب أتي بباطل. [جامع العلوم والحكم]

مقالات ذات صلة