شرح حديث ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

النهي عن كثرة السؤال

كان ‌أبو هريرة يحدث أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (‌ما ‌نهيتكم ‌عنه ‌فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)[مسلم]

ما نهيتكم عنه فاجتنبوه

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌ما ‌نهيتكم ‌عنه ‌فاجتنبوه..)
استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن النهي أشد من الأمر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المنهي عنه: فاجتنبوه . وفي جانب المأمورات قال فيها: فافعلوا منه ما استطعتم.
فلا يرخص في ارتكاب شيء من المنهيات، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟)
فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعد خمسا وقال: (اتق ‌المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا،
وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب)[الترمذي]

فضل ترك المحرمات على فعل النوافل

ترك قليل الحرام أفضل من الإكثار من فعل النوافل، قال ابن عمر: لرد دانق من حرام أفضل من مائة ألف تنفق في سبيل الله.
وقال ابن المبارك: لأن أرد درهما من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف.

الواجبات والمحرمات

ترك الأعمال الواجبات قد يكون أشد من ترك المحرمات ويؤدي بصاحبه للكفر، وذلك كترك التوحيد، وكترك ركن من أركان الإسلام منكرا له، بخلاف ارتكاب المحرمات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَيْسَتِ التَّقْوَى قِيَامَ اللَّيْلِ، وَصِيَامَ النَّهَارِ، وَالتَّخْلِيطَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ التَّقْوَى أَدَاءُ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ، وَتَرْكُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَمَلٌ، فَهُوَ خَيْرٌ إِلَى خَيْرٍ، أَوْ كَمَا قَالَ.

ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم..)
هنا أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بفعل ما أمر الله ورسوله به قدر الاستطاعة؛ لأن الأمر لا يحصل إلا بعمل.
والعمل يتوقف على شروط وأسباب، وبعض هذه الشروط قد يكون مستطاعا، وبعضها قد لا يستطاع، فلذلك قيده بالاستطاعة.
ويؤيد ذلك قول الله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وقال الله عن فريضة الحج التي أمر بها: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا).
والصلاة التي أمر الله بها قد يعجز الإنسان عن أدائها بصفاتها وشروطها، فيخفف الله له هذا الأمر حتى يكون في استطاعته.
فمثلا من عجر عن أداء الصلاة قائما أداها جالسا، ومن عجز عن أداء الصلاة جالسا أداها على جنب، وهكذا حتى يكون أداؤها في استطاعته.
والصيام كذلك قد يعجز الإنسان عن أدائه لمرض أَلمَّ به، أو لسفر طارئ عليه، في هذه الحالة يبيح الإسلام له الإفطار وصيام هذه الأيام عند استطاعته.

التكليف قدر الاستطاعة

لا يكلف الله العباد إلا بما في حدود طاقتهم واستطاعتهم، لذلك نجد أن الله أسقط كثيرا من الأعمال بسبب وجود المشقة، فرخص لأصحاب الأعذار في تركها هذا في باب المأمورات.
أما في باب المنهيات فلم يعذر الله أحدا في ارتكابها بسبب قوة الشهوة التي دعته لارتكاب هذا الأمر، بل أمر الله بترك تلك المنهيات ولم يقبل الأعذار.

ما يكره من كثرة السؤال والتكلف فيه

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم)
بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن كثرة السؤال والتكلف فيه كان سببا في هلاك من كان قبلنا من الأمم.
وأن التكلف في السؤال كان سببا في اختلاف بعض الأقوام السابقين على أنبيائهم.

سبب النهي عن كثرة السؤال

زعم البعض أن سبب النهي عن كثرة السؤال للنبي -صلى الله عليه وسلم- كان مختصا بزمان النبي خوفا من نزول الوحي بتحريم ما لم يحرم،
أو إيجاب ما لم يجب عليهم فيكون فيه مشقة عليهم، لكن هذا قد أمن بوفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وانقطاع الوحي.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته)[البخاري]
وبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن كثرة السؤال مما كرهه الله لنا فقال:

(إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا وهات، ووأد البنات، وكره لكم: ‌قيل ‌وقال، ‌وكثرة السؤال، وإضاعة المال)[البخاري]

وقال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌لَا ‌تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ)
وهذه الآية قد ورد في سبب نزولها ما رواه البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان قوم يسألون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- استهزاء،
فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا ‌لا ‌تسألوا ‌عن ‌أشياء إن تبد لكم تسؤكم). حتى فرغ من الآية كلها.
‌‌وقيل هؤلاء القوم كانوا جماعة من المنافقين واليهود.

سؤال الأعراب للنبي

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرخص للأعراب في السؤال يتألفهم بذلك على الإسلام، فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة فقد نهوا عن المسألة، وكانوا يحبون أن يسأل الأعراب ليستفيدوا من سؤالهم.
عن ‌أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (نهينا أن نسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء ‌الرجل ‌من ‌أهل ‌البادية، العاقل، فيسأله ونحن نسمع…)[مسلم]

سؤال الصحابة رسول الله

ليس معنى أن الله نهى عن كثرة السؤال أن الصحابة لم يسألوا رسول الله وإنما سألوا رسول الله كثيرا فسألوه عن حوادث قبل وقوعها؛ من أجل العمل بها عند وقوعها،

كقولهم: يا رسول الله إنا لاقوا العدو غدا وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ [مسلم]
وأكثر حذيفة -رضي الله عنه- في سؤاله للنبي -صلى الله عليه وسلم- عن الفتن من أجل أن يتجنب الوقوع فيها.

مقالات ذات صلة