ضوابط الصداقة على مواقع التواصل الاجتماعي

من مِنَن الله علينا في هذا العصر نعمة الإنترنت، وما يحمله من تقنيات عالية، وما فيه من تسهيلات كبيرة خاصة في جانب الاتصالات والتواصل مع الآخرين.

قيمة الصداقة الصالحة

والصداقة الصالحة لها منزلة عظيمة في الإسلام، ولقد حثنا نبينا -صلى الله عليه وسلم- على حسن اختيار الصديق؛ لأن له أثرا كبيرا على صديقه؛ فالصديق قد يكون سببا في سعادة صاحبه في الدنيا والآخرة، وقد يكون سببا في شقاء صاحبه في الدنيا والآخرة.

أولا: مواقع التواصل الاجتماعي

الغالبية العظمى الآن على مستوى العالم يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها، وأشهر تلك المواقع: فيس بوك Facebook، وتويتر Twitter، وسناب شات Snapchat، وإنستجرم Instagram، وواتس WhatsApp، ويتويوب YouTube،

ومنها كذلك ما يكون له جانب مهني، مثل: لينكدان LinkedIn، وقد تدخل من ضمنها المدونات مثل وورد برس WordPress، وبلوجر Blogger.

وهي وسائل تواصل تعتمد بشكل كلي على شبكة الإنترنت، والتي من خلالها ينشئ المستخدم حساب يمكنه من التواصل عبر شبكة الإنترنت مع غيره من الأشخاص إلكترونيا؛ لمشاركة المعلومات والأفكار والآراء والرسائل وغيرها من المحتوى المكتوب والمرئي والصوتي والملفات.

وتلك المواقع تستخدم على أجهزة الحاسب الآلي، والهواتف الذكية، والكمبيوتر اللوحي، من خلال التطبيقات التي تربط بينهم للمشاركة والتفاعل عن طريقها.

ثانيا: واجبنا نحو استخدام التقنية الحديثة

الواجب علينا أن نستغل هذه التقنية في نشر الخير والدعوة إلى الله، ونصح المسلمين ودعوتهم إلى الالتزام بشرائع الإسلام،

لكن لو نظرنا إلى واقع استخدامنا للإنترنت لوجدنا أنه أحيانا كثيرة يستغل في جانب الشر والفساد، وهذا لا شك أنه أمر خطير فإن الإنترنت سلاح ذو حدين، وهو نعمة لمن استغله استغلالا مفيدا، وفي نفس الوقت نقمة على من يستخدمه في اللهو والحرام.

إن كثيرا من شبابنا وأبنائنا ينبغي أن يكون استخدامهم للتقنية الحديثة في العمل لصالح الإسلام، ولصالحهم شخصيا في تعلم البرامج المفيدة؛ لتطوير نفسه وزيادة دخله،

لكن للأسف تجد أكثر الشباب مغرمين بالدردشة والشات وغيرها من برامج التواصل الاجتماعي، ويستغلونها استغلالا سيئا، بل وتشغلهم هذه البرامج عن أداء الواجبات، سواء كانت الواجبات الدينية كالصلاة، أو واجبات البيت وحقوق الأهل، إضافة إلى تبادل لمقاطع الفيديو غير اللائقة، ونشر المعلومات المضللة، والشائعات الكاذبة.

ثالثا: اختيار الصديق الصالح

الصديق الصالح له أثر طيب على صاحبه، والصديق السوء له أثر سيئ على صاحبه، وهذا لا يمكن إنكاره، من أجل ذلك حثنا نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- على حسن اختيار الصديق.

روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-، وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّمَا ‌مَثَلُ ‌الْجَلِيسِ ‌الصَّالِحِ، ‌وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ،

وَنَافِخِ الْكِيرِ فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يَحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)[متفق عليه].

رابعا: صفات الصديق الصالح

يمكن أن نوجز صفات الصديق الصالح في الأمور التالية:

1 – العقل الراجح

فلا خير في صحبة الأحمق، فصداقته مصيرها القطيعة وإن طالت، وأحسن أحواله أن يضرك وهو يريد أن ينفعك، والعدو العاقل خير من الصديق الأحمق.

2 – حُسن الخُلق

عن أبي الدرداء، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «‌مَا ‌شَيْءٌ ‌أَثْقَلُ ‌فِي ‌مِيزَانِ ‌المُؤْمِنِ ‌يَوْمَ ‌القِيَامَةِ ‌مِنْ ‌خُلُقٍ ‌حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» [رواه الترمذي، وصححه الألباني].

3 – التقوى والصلاح

يجب على المسلم أن يختار الصديق الذي يتصف بالتقوى والصلاح في أقواله وأفعاله، روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «‌لَا ‌تُصَاحِبْ ‌إِلَّا ‌مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» [رواه الترمذي وحسنه الألباني].

4 – الصدق في الأقوال والأفعال

لا تصاحب كذابا؛ فإنه مثل السراب، يقرب منك البعيد، ويبعد منك القريب، قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ ‌الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].

وعن ‌عبد الله -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِنَّ الصِّدْقَ ‌يَهْدِي ‌إِلَى ‌الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا)

خامسا: التحذير من قرناء السوء

إن قرناء السوء هم أكثر الناس ضررا على الشخص؛ فقرين السوء هو الذي يزين القبيح، ويقبح الحسن، وإن انتشار الكثير من الموبقات،

كالتدخين وتناول المخدرات والخمور، والسرقة، والسير في طريق الرذيلة، يرجع غالبا، إلى أصدقاء السوء، الذين يدلون أصدقاءهم على الفساد، ولذلك يجب على الآباء، والمدرسين، ورجال الدين، ورجال الإعلام، أن ينصحوا الشباب بالابتعاد عن مصاحبة أصدقاء السوء.

سادسا:  ضوابط الصداقة بين الجنسين على مواقع التواصل

الصداقة بين الجنسين على الإنترنت، وما يتبعه من المحادثات، وسيلة قد تكون سببا في تحصيل الخير، من تبادل العلوم النافعة، والدعوة إلى الله، وقد تكون سببا للمفاسد والشرور؛ لأنه ذريعة إلى الوقوع في المحظورات كاللغو في الكلام، وانتهاك الأعراض، والواقع يشهد بذلك.

وليس معنى هذا حرمة الحديث بين الجنسين مطلقا عبر هذه الوسائل، وقد يتم التواصل اللفظي أو المكتوب بين رجل وامرأة، إذا اقتضته مصلحة شرعية، كتداول أمور العمل بالنسبة للموظفين،

أو السؤال عن أمور الدين، فلا حرج على المرأة المسلمة في الاستفادة من الإنترنت، ما لم يؤد ذلك إلى محذور شرعي، كالمحادثة الخاصة مع الرجال، وذلك لما يترتب على هذه المحادثات من تساهل في الحديث يدعو إلى الإعجاب والافتتان غالبا؛ ولهذا فإن الواجب هو الحزم والابتعاد عن ذلك.

سابعا: الضوابط الشرعية لتقنين التعامل مع مواقع التواصل

  1. النية الحسنة في قصد النفع للغير، فلا بد أن تصاحب التواصل النية الطيبة، ولا يكون القصد الثرثرة، وضياع الأوقات.
  2. ألا تكون هذه المواقع سببا في الإشغال عما هو أهم؛ كالعبادات، ورعاية الأبناء، وطاعة الأبوين، وطلب العلم النافع، وصلة الأرحام، وغيرها.
  3. التثبت من نقل الأخبار والتأكد من صحتها، حتى لا نروج للأكاذيب، ولا نكون سببا في نشر الهلع والخوف بين الناس، بسبب خبر زائف، أو تحذير كاذب، وإن إرسال الرسائل من غير تثبت مظنة للكذب والزور، ولو من غير قصد، وبخاصة حينما تصدر الرسالة ممن يثق الناس به، فيعتقدون صحتها من غير سؤال عن حقيقة محتواها.
  4. تجنب السخرية بالأشخاص، وتشويه صورة الإنسان التي خلق الله تعالى عليها عباده، وبخاصة حينما تصحبها التعليقات المضحكة، والألفاظ الساخرة. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ ‌قَوْمٌ ‌مِنْ ‌قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الحجرات: 11].
  5. التحفظ الشديد من نشر الصور الشخصية، وصور أفراد الأسرة؛ ونشر صور الحفلات.
  6. براءة القلب وسلامته عند التواصل مع الآخر؛ سواء كان من الجنس نفسه، أم من الجنس الآخر، وهذا يقتضي حفظ القلب والنفس؛ حتى لا تسترسل في حوارات غير مجدية، وحفظ اللسان؛ حتى لا ينطق بالألفاظ المخلة.
  7. حفظ العبادات والأعمال الصالحة من الرياء والسمعة، كالذي ينشر صوره وهو في الحج أو العمرة، أو يصور نفسه وهو يوزع الصدقات في رمضان، أو يتحدث عن صيامه وصلاته وزكاته.
  8. احترام الجليس بترك الانشغال عنه بالهاتف، وبخاصة إذا كان هذا الجليس أبا أو أما، ففي ذلك من قلة الاهتمام، وعدم الاحترام ما لا يليق بالضيف أو الزائر.
  9. التعامل مع المخالفين باللين، والمجادلة بالتي هي أحسن، مع ترك الألفاظ الجارحة، والأساليب القاسية التي قد تتحول أحيانا إلى سباب وشتم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.