من الذي يتولى قبض الأرواح هل الله أم ملك الموت أم الملائكة؟

ورد في القرآن الكريم ثلاث آيات: آية منها تنسب التوفي لله، وآية تنسبه لملك الموت، وأخرى تنسبه للملائكة، وهذا ما سنعرفه بعد تفسير الآيات.

الله يتوفى الأنفس

قال الله: (ٱللَّهُ ‌يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ)

أصل التوفي هو أخذ الشيء وافيا كاملا، فمن مات فقد وجد عمره وافيا كافيا، وقبض الأرواح يكون بامر الله ومشيئته، لأجل ذلك أسند الله التوفي إليه؛ لأنه لا يكون هناك موت إلا بمشيئته.

والتوفي أعم من الموت؛ لأنه يطلق على الوفاة الكبرى بالموت، ويطلق التوفي على الوفاة الصغرى بالنوم، أما الموت فلا يطلق إلا على الوفاة الكبرى.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “إن في ابن آدم نفسا وروحًا، بينهما مثل شعاع الشمس،

فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها التنفُّس، والتحرك، فيتوفَّيان معا عند الموت، ونتوفى النفس وحدها عند النوم”.

وهذا معناه أن هناك فارقا بين النفس والروح فأما النفس فهي التي يكون بها العقل والتمييز، وقد أشارت الآية إلى أن التوفي إنما يكون للأنفس.

وأما الروح فهي التي يكون بها الحياة، فيسلب الإنسان النفس والروح عند الموت، ويسلب الإنسان النفس فقط عند النوم.

فهناك أنفس يتوفاها الله في نومها فلا يردها لأجسادها مرة أخرى، والأنفس التي لم يكتب الله عليها الموت أثناء نومها يرد إليها روحها مرة أخرى للبدن حتى يأتيها أجلها الذي قدره الله.

فالموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام كامل، والنوم انقطاع ناقص من بعض الوجوه.

إن في ذلك الفعل العجيب من الله والنمط الغريب شواهد وآيات دالة على قدرة الله البالغة لقوم يتفكرون في كيفية تعلق النفس بالبدن وتوفيها تارة بالكلية عن الموت، وتوفيها تارة توفيا ظاهرا عند النوم وإرسالها للبدن مرة أخرى ليعود لنشاطه من جديد.

قبض ملك الموت للأرواح

قال الله: (قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ‌ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ)

قل لهم أيها الرسول: إن الذي يتولى قبض أرواحكم هو ملك الموت وهو ملك واحد موكل بقبض الأرواح، عند انتهاء الآجال التي حددها الله لكم.

وإنما يفعل ملك الموت ذلك بمعاونة أعوانه من الملائكة حيت يتولون معالجة قبض الروح  من جميع أجزاء البدن، وملك الموت يتولى قبضها من الحلقوم.

ونسب قبض الروح هنا لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بذلك من الله،  ثم إلى ربكم ترجعون إلى الله بالبعث والنشور.

قبض الملائكة للروح

قال الله: (فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا ‌يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ)

لا أحد أظلم ممن يفتري على الله كذبا فإن أعظم الكذب هو الكذب على الله، كهؤلاء الذين ينسبون لله الولد، والذين يقولون الملائكة بنات الله، وغير ذلك من الزور والبهتان.

أولئك ينالون نصيبهم الذي قدره الله لهم من العذاب مما سبق تقديره في كتاب الله، حتى إذا جاءتهم رسل الله لينهوا أجلهم ولينهوا حياتهم ليستعدوا للحساب.

وهذا يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح كما في قول الله: (وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ‌يَضۡرِبُونَ ‌وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ).

وهؤلاء إنما يكونون أعوانا لملك الموت، ثم يقول هؤلاء الملائكة للكافرين عند قبض أرواحهم على سبيل التوبيخ أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله ليمنعوا نزول هذا العذاب بكم.

ثم يرد الكافرون على هذا لقول، بأن آلهتهم التي عبدوها من دون الله قد غابت في وقت محنتهم وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا من الكافرين.

من الذي يتوفى الأنفس؟

ورد في القرآن الكريم ثلاث آيات يوهم ظاهرهم التناقض:

فالأولى: تبين أن الله هو الذي يتوفى الأنفس فقال الله: (ٱللَّهُ ‌يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا) والثانية: تبين أن الذي يتوفى الأنفس هو ملك الموت، فقال الله: (قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ‌ٱلۡمَوۡتِ).

والثالثة: تبين أن الملائكة هم الذين يتوفون الأنفس، فقال الله :(حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا ‌يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ).

والحقيقة أنه لا تناقض بين الآيات فإن التوفي في حقيقة أمره يحصل بقدرة الله؛ لأنه الآمر به، ولا يكون إلا بمشيئته، فأمر الموت والحياة بيد الله لا بيد غيره؛

ليختبر عباده أيهم أحسن عملا، فقد قال الله: (ٱلَّذِي خَلَقَ ‌ٱلۡمَوۡتَ ‌وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ).

وقال الله عل لسان إبراهيم عند مناظرته للنمرود: (أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ ‌رَبِّيَ ‌ٱلَّذِي ‌يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ ).

وقال الله: (‌كَيۡفَ ‌تَكۡفُرُونَ ‌بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ).

ثم ملك الموت مفوض من الله تعالى لقبض الأرواح، فهو مأمور بذلك، فنسب الأمر إليه لأنه المباشر للفعل بامر من الله.

ثم إن الملائكة المعاونين لملك الموت في قبض الأرواح يتولون إخراج الروح من جميع أعضاء الجسد ثم يتولى لك الموت قبضها من الحلقوم.

فهذا الملك الذي يتولى قبض الأرواح هو ملك واحد وهو رئيس الملائكة الموكلين بقبض الأرواح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.