وجوب الصبر على البلاء، وما يترتب عليه من ثمار

الصبر هو عدة المؤمن التي يواجه بها الحياة، فبالصبر يستطيع المداومة على أداء الطاعات، وبالصبر يستطيع البعد عن المعاصي والآثام.

معنى الصبر

الصبر هو حبس النفس على ما أصابها مما لا يلائمها، قال الغزالي: حقيقة الصبر وكماله: الصبر عن كل حركة مذمومة وحركة الباطن أولى بالصبر عن ذلك وهذا صبر دائم لا يقطعه إلا الموت.

وقال أيضا: “حقيقة الصبر ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى”.

ما يترتب على الصبر من ثمار

ذَكر الله الصبر في الكثير من الآيات وبين أن ما يناله الإنسان في الدنيا من رفع الدرجات، والخيرات إنما يكون بسبب الصبر الذي أعانهم على تحمل المشاق والالتزام بالطاعات.

قال الله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ ‌بِمَا ‌صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ).

وبين الله أن ما يناله الإنسان من خير في الآخرة إنما يكون بسبب الصبر، فقال الله: (إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ ‌بِمَا ‌صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ).

وقال: (فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا وَجَزَىٰهُم ‌بِمَا ‌صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا).

الصبر لا يقدر الأجر عليه

ما من عمل من الأعمال إلا وأجره بتقدير وحساب إلا الصبر فإن الجزاء عليه يكون بغير حساب وتقدير، قال الله: ( إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم ‌بِغَيۡرِ ‌حِسَابٖ).

ولأن الصوم نصف الصبر لم يحدد الله أجره أيضا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه: (الصوم لي وانا أجزي به).

معية الله للصابرين

وعد الله المؤمنين الصابرين بأنهم يكونون في معيته في كثير من آيات القرآن فقال: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ ‌مَعَ ‌ٱلصَّٰبِرِينَ).

وقال الله: (وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ ‌مَعَ ‌ٱلصَّٰبِرِينَ).

قال أبو علي الدقاق: “فاز الصابرون بعز الدارين؛ لأنهم نالوا من الله تعالى معيته، قال الله تعالى: (إن الله مع الصابرين)

ما يعين على الصبر

من الأمور التي تعين الإنسان على الصبر هو تسلية النفس بما أباحه الله لها من جنس الأشياء التي تشتهيها.

فما من شيء حرمه الله علينا إلا وفتح لنا من جنسه بابا من الحلال، فالزنى حرمه الله علينا لكن فتح الله لنا بابا من الحلال نستغني به عن الزنى وهو النكاح.

فمن أراد أن يحفظ نفسه عن الحرام تسلى بالمباح والحلال، ومن عجز عن التسلي بالحلال قطع الجانب المغذي لجانب الحرام بأن يصوم مثلا ليقلل من حدة الشهوة كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:

(‌يا ‌معشر ‌الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)[البخاري]

ومن وجد أن النظر للحرام يهيج شهوته فعليه بالكف عن النظر لما حرمه الله عليه؛ لأن هذه النظرة إنما هي سهم مسموم من سهام إبليس.

قال سهل بن عبد الله: “لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا ‌الصبر عليه”

الصبر من أسباب رفع البلاء

طلب العبد من الله رفع البلاء عنه مما أمرنا الله به، وليس من الأدب مع الله ألا يسأل العبد ربه أن يرفع عنه البلاء؛ لأن في ذلك نوع من التحدي والله أمرنا بأن نلجأ إليه وأن نطلب منه.

لما نزل البلاء بأيوب -عليه السلام- صبر نبي الله على هذا البلاء لكن هذا الصبر لم يمنعه من أن يطلب من الله الرحيم أن يرفع عنه هذا البلاء، فاستجاب الله دعاءه وأثنى الله على صبره على هذا البلاء.

فقال الله: (‌وَأَيُّوبَ ‌إِذۡ ‌نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ)

وقال الله: (وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا ‌وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ).

جزاك الصبر على البلاء

من الابتلاءات التي يتعرض لها الإنسان في هذه الدنيا أن ينزل به البلاء في نفسه بالخوف من المكروه والجوع، أو ينزل البلاء بماله، أو ينزل البلاء بولده.

وكل هذه ابتلاءات قاسية لا قدرة للإنسان على الخروج منها إلا بالصبر، لذلك بشر الله الصابرين بجميل الثواب على الصبر على مقاساة الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات.

قال الله: (وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ ‌مِّنَ ‌ٱلۡخَوۡفِ ‌وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ).

وصية الله نبيه بالصبر

أوصى الله نبيه بالصبر على ما يلاقيه من الأذى من قومه وعدم إيمانهم بدعوته بالرغم من إيمانهم بأنه صادق في قوله، وبالرغم من المعجزات التي يؤيد الله بها نبيه، وعلى رأس تلك المعجزات القرآن الكريم، فأمره الله نبيه بالصبر فقال:

(وَاصْبِرْ ‌وَمَا ‌صَبْرُكَ ‌إِلَّا ‌بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) فما صبرك إلا بمعونة الله لك وتأييده لك.

وقال أبو القاسم الحكيم قوله تعالى: (واصبر) أمر بالعبادة وقوله تعالى: (وما صبرك إلا بالله) عبودية فمن ترقى من درجة لك إلى درجة بك فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (بك أحيا وبك أموت).

أنوا ع الصبر

قال القشيري في رسالته: “ثم ‌الصبر على أقسام: صبر على ما هو كسب للعبد، وصبر على ما ليس بكسب.

فالصبر على المكتسب على قسمين: صبر على ما أمر الله تعالى به، وصبر على ما نهى عنه.

وأما ‌الصبر على ما ليس بمكتسب للعبد فصبره على مقاساة ما يتصل به من حكم الله فيما يناله فيه مشقة”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.