بيان حقيقة التوكل على الله، والفرق بين التوكل والتواكل

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: (وتزودوا ‌فإن ‌خير ‌الزاد ‌التقوى)[البخاري]

فعل أهل اليمن في الحج

كان أهل اليمن إذا خرجوا لحج بيت الله الحرام لا يتزودون أي لا يأخذون معهم زادا يستعينون به على طول طريقهم، ويقولون :

نحج بيت الله أفلا يطعمنا، فيسألون الناس أثناء الطريق الزاد، وإذا قدموا مكة سألوا أهل مكة وغيرهم أن يعطوهم الزاد لأنهم ليس معهم ما يتزودون به، فأنزل الله فيهم قوله: (وتزودوا ‌فإن ‌خير ‌الزاد ‌التقوى).

معنى: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى

اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية فقال بعضهم: خذوا زادكم من الطعام، واتقوا طلب الطعام من الناس والإثقال عليهم، فاتقاء ذلك خير من سؤال الناس.

قال الشوكاني: هو من إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات فكأنه قال: اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خير الزاد التقوى.

وقيل معنى الآية: تزودوا لآخرتكم بتقوى الله بالأعمال الصالحة كما تتزودون لسفركم بالزاد، فالزاد في سفر الدنيا، والأعمال الصالحة لسفر الآخرة.

قال مقاتل بن حيان: لما نزلت قام رجل فقال يا رسول الله: ما نجد زادا، فقال: تزود ما تكف به وجهك عن الناس وخير ما تزودتم التقوى.

ترك سؤال الناس

دل هذا الحديث على أن ترك سؤال الناس أولى من السؤال، وهو من تقوى الله -عز وجل- فقد مدح الله تعالى هؤلاء الذين لا يسألون الناس أن يعطوهم من أموالهم.

فقال الله في وصف الفقراء المتعففين عن سرال الناس: (لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ ‌إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ).

وعن ‌عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تسعة، أو ثمانية، أو سبعة، فقال:

ألا تبايعون رسول الله، وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم، قال: ألا تبايعون رسول الله فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال:

ألا تبايعون رسول الله، قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال:

(على أن تعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا، (وأسر كلمة خفية)، ‌ولا ‌تسألوا ‌الناس ‌شيئا فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحدا يناوله إياه)[مسلم]

قال النووي: “فيه التمسك بالعموم، لأنهم نُهوا عن السؤال فحملوه على عمومه، وفيه الحث على التنزيه عن جميع ما يُسَمَّى سؤالاً وإنْ كان حقيراً”.

معنى التوكل

التوكل المحمود هو الأخذ بالأسباب مع تعلق القلب برب الأسباب، فترك الأسباب التي وضعها الله في الكون ليس من التوكل على الله في شيء وإنما هو تواكل أو تآكل.

فمن دفع الضرر عن نفسه بالأسباب لم يكن فعله منافيا للتوكل على الله، كمن رأى أذى يقترب منه فهرب وابتعد عنه كان متوكلا وآخذا بالأسباب.

ومن أصابه المرض فأخذ الدواء الذي يدفع به هذا المرض عن نفسه لم يكن هذا متنافيا مع الإيمان بالله والتوكل عليه.

قال الطبري: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة حتى السبع الضاري والعدو العادي ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم.

والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله.

فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة،

وهاجر هو وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك.

وقال للذي سأله أعقل ناقتي أو أدعها قال ‌اعقلها ‌وتوكل فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل.

اعقلها وتوكل

عن أنس بن مالك قال: قال رجل: يا رسول الله أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: (‌اعقلها ‌وتوكل)[الترمذي]

فهذا الرجل يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ناقته أيقوم بربطها ويتوكل على الله أم يطلقها ويتوكل،

فبين له رسول الله أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكل على الله بل يقوم بربطها ويتوكل فيأخذ بالأسباب ولا يعتمد عليها لأنها ليست هي الفاعلة وإنما الفاعل هو الله.

التوكل على الله حق التوكل

عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقتم ‌كما ‌يرزق ‌الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)[الترمذي]

أكد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هنا على أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله، فأخبر أنكم لو اعتمدتم على الله كمال الاعتماد، وآمنتم بقول الله: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)، لوصل إليكم رزقكم.

ثم ضرب المثل لذلك بالطير، تخرج في الصباح لطلب رزقها وهي لا تدري أتجد الطعام أم لا لكنها تأخذ بالأسباب فترجع في آخر يومها وقد امتلأت بطونها بالطعام.

ولو أنها مكثت في أماكنها ولم تخرج لطلب الرزق لماتت جوعا لأنها لم تتحرك على أساس قانون الأسباب الذي وضعه الله في هذا الكون.

ورد في مرعاة المفاتيح: قد حكي: أن النَّعَّاب -وهو فرخ الغراب- إذا خرج من البيض يكون أبيض،

فإذا نظر إليه الغراب يرى لونه مخالفًا للون نفسه؛ لأن الغراب أسود، فينكر كونَه فرخَه، فيتركه ويذهب عنه،

فيبقى الفرخ ضائعًا متحيرًا لا يقدر على الطيران في طلب الرزق، وليس له من يأتي إليه برزقه،

فأرسل الله إليه الذباب والنمل، فيلتقط الذباب والنمل ويأكل، فيكون سببُ رزقه أكلَ الذباب والنمل حتى يكبر ويسودَّ لونه،

فترجع أمه فتراه أسود، فتضمه إلى نفسها وتتعهده، فهذا طير يصل إليه رزقه من غير سعي منه.

مقالات ذات صلة