تعرف على الأسباب التي تبيح تنظيم النسل وليس تحديد النسل

الزواج هو الوسيلة الشرعية التي يكون بها إلتقاء الرجل بالأنثى، وعلى أساس هذا الالتقاء يكون الإنجاب، وهذا التناسل من أهم مقاصد الزواج.

الأمر بالمباشرة لطلب الولد

قال الله: (فَالْآنَ ‌بَاشِرُوهُنَّ ‌وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)، نزلت هذه الآية لتبيح للمسلمين معاشرة الرجل لزوجته في ليل رمضان

فقد كان محرما على المسلمين في أول الأمر الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء إلى اليوم التالي، فلما كان في الأمر حرج ومشقة أحل الله لهم من أذان المغرب إلى طلوع الفجر الأكل والشرب والجماع.

لكن الآية هنا بينت أن الأمر ليس مجرد إرضاء فقط للغريزة الشهوانية وإنما ينبغي أن يضع المسلم لذلك نية بقاء النوع الإنساني.

وحض النبي -صلى الله عليه وسلم- على الزواج من أجل طلب الذرية التي يباهي بها رسول الله الأمم.

عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهيا شديدا، ويقول: (‌تزوجوا ‌الودود الولود، إني مكاثر الأنبياء يوم القيامة)أحمد

والحديث هنا يعلل سبب طلب التزوج من الولود الودود لكي يكاثر النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمم وليكون أكثر الأمم تابعا، فبالإنجاب تتحقق عبادة الله، ويحصل ما أراده رسول الله.

سعادة النفس بالأولاد

إذا كان طلب الولد يتحقق به عمارة الأرض، والعبادة لله في الأرض، فإن طلب الولد أيضا فيه سعادة للنفس.

فقد طلب الأنبياء من الله أن يرزقهم بالأولاد لكنهم كانوا يهتمون بالكيف على الكم، فلم تكن غايتهم كثرة أعداد الأولاد على حساب الإعداد الجيد ليكونوا أبناء صالحين.

نبي الله إبراهيم لما طلب من الله أن يرزقه بالولد سأل الله أن يهبه أبناء صالحين، فقال الله: (‌رَبِّ ‌هَبۡ ‌لِي ‌مِنَ ‌ٱلصَّٰلِحِينَ فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ).

فليس الغرض هو مجرد طلب الولد فقط وإنما طلب الولد الذي يكون عونا له على طاعة الله وعمارة الكون بعبادة الله.

ونبي الله زكريا طلب من الله الذرية الطيبة التي ترث أمر النبوة حتى لا يضيع أمر الناس ويضلوا عن شرع الله.

قال الله: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ‌ذُرِّيَّةً ‌طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).

والصالحون من عباد الله يطلبون منه الذرية الصالحة التي تقر بها أعينهم ويكونون عونا لهم على طاعة الله، ويكونون ذكرا حسنا لهم يأخذون أجرا عليهم وهم في قبورهم لأن الأولاد الصالحين من كسبهم الطيب.

قال الله وهو يصف عباده الصالحين: (وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا ‌قُرَّةَ ‌أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا).

امتنان الله على عباده بنعمة النسل

من النعم الجليلة التي امتن الله بها على عباده النسل فهو من هبات الله لهم، قال الله:

(وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ ‌وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ).

ليس المطلوب مجرد النسل

الإسلام لا يطلب مجرد أعداد من الأبناء دون الاهتمام بكيفية الإعداد الجيد لهم، وإنما يطلب الاهتمام والعناية والصانة والإعداد الجيد لهؤلاء الأبناء حتى لا يكونوا عبئا على الأمة إنما يكونون قوة لها،

ويكونون عددا يتباهى به رسول الله، أما الأعداد التي لا نصيب لها في عمل الدنيا ولا الآخرة فتلك أعداد لا يتباهى بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

عن ثوبان مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌يوشك ‌أن ‌تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها)

قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: (أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، تنتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن) قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: (حب الحياة وكراهية الموت)أحمد

فتلك أجيال ابتعدت عن دينها ونسيت الموت، وانغمست في هذه الحياة فصارت تحب الحياة وتكره الموت، وتلك صفة الكفار الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة؛ لأنهم يدركون أنهم لم يقدموا لآخرتهم شيئا، وأصبح حال الكثير من المسلمين كما قال القائل:

أني نظرت إلى الإسلام في بلد * رأيته كالطير مقصوصا جناحاه.

لأنه لم يجد جيلا يحفظه ويدافع عنه كما دافع السابقون عنه، وإنما كانوا شر خلف لخير سلف.

معنى قول الله: (دلك أدنى ألا تعولوا)

قال الله: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا ‌تَعُولُوا).

لما أباح الله تعالى للرجل التعدد بأن يتزوج بأربع نساء أباح ذلك شريطة أن يقوم بواجب العدل بينهن.

فإذا لم يعدل الرجل فليتزوج واحدة لأن الجور في جانب الواحدة أقل من الجور والظلم في جانب الأربعة، ومن لم يستطع العدل في واحدة فليتسرى بأمة.

ومعنى كلمة (تعولوا) أي تفتقروا فالعيلة بمعنى الفقر والحاجة ومن ذلك قول الله: (وَإِنْ خِفْتُمْ ‌عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ).

وقيل معنى قول الله: (ألا تعولوا) أي ألا تكثر عيالكم، يقال عال يعول إذا كثرت عياله، وفسرها الإمام الشافعي بقوله: ألا تكثر عيالكم.

وقرأ طاووس: أن لا تعيلوا. من أعال الرجل إذا كثرت عياله.

وورد في تفسير المنار قوله: “فعلى العقلاء أن يتبصروا قبل طلب التعدد في الزوجات فيما يجب عليهم شرعا من العدل وحفظ الألفة بين الأولاد، وحفظ النساء من الغوائل التي تؤدى بهن إلى الأعمال التي لا تليق بمسلمة”.

وعلى هذا فليس الإنجاب غاية في حد ذاته دون القيام بالواجب الذي شرعه الله تجاه هؤلاء الأبناء من الرعاية والتربية وحسن التنشئة على الإيمان والصلاح حتى يكونوا عددا يتباهى به رسول الله أمام الأمم.

لكن الأعداد الفاسدة التي لا تؤمن بالله ولا تعمل بطاعته فليست أعداد يتباهى بها رسول الله.

الضرورات التي تبيح تنظيم الأسرة

هناك العديد من الضرورات التي تبيح تنظيم الأسرة منها:

الحفاظ على صحة الرضيع

فصحة الرضيع من المقاصد الضرورية التي يهتم الإسلام بها، من أجل ذلك جعل الإسلام مدة الرضاع حولين كاملين حتى نحفظ صحة الرضيع فقال الله:

(وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ ‌حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ).

النهي عن الرضاعة أثناء الحمل

من الأمور التي نهى عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحمل أثناء الرضاعة لأن هذا مما يؤثر على صحة المولود.

عن ‌جدامة بنت وهب الأسدية أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لقد هممت أن ‌أنهى ‌عن ‌الغيلة، حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك، فلا يضر أولادهم)مسلم

والمراد بالغيلة هنا: هو أن يجامع الرجل امرأته وهي مرضع، وقال ابن السكيت: هو أن ترضع المرأة وهي حامل.

قال العلماء: سبب همه صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع قالوا: والأطباء يقولون: إن ذلك اللبن داء. والعرب تكرهه وتتقيه.

الحفاظ على صحة الأم

إذا كان الحمل المتكرر يؤدي بالضرر للمرأة في هذه الحالة يجوز أن تنظم النسل بحيث يأخذ الرضيع حقه في الرضعة وتستعيد الأم عافيتها ثم يكون الحمل بعد ذلك إن شاءت.

قطع النسل

من الأمور التي لا تجوز شرعا قطع النسل بالقضاء على موضع الإنجاب سواء عند الرجل أو المرأة؛ لأن ذلك يعتبر جناية على العضو لا يجيزها الشرع.

وهذا يتعارض مع سنة الله الكونية القائمة على التناسل، والإنسان لا يدري ما يخبئه له الغد فربما يموت جميع أولاده فيحتاج للإنجاب ثانيا.

وتحديد النسل بأخذ القرار بالاكتفاء بعدد محدد من الأولاد دون استشارة الطرف الآخر فهذا مما لا يجوز شرعا لأن فيه مصادرة لحق الآخرين.

مقالات ذات صلة