التحذير من الاغترار بالدنيا ووجوب الاستعداد للرحيل

من اغتر بديناه وما فيها من الأولاد والأموال والجاه والسلطان وركن إليها، أنساه هذا الاغترار آخرته، وإذا نسي المرء آخرته أضاع حياته الحقيقية التي لا تنتهي وفيها مستقره.

الاغترار بالأموال والأولاد

حذرنا الله من الاغترار بهذه الدنيا وما فيها من الأموال والأولاد، وحثنا الله على الإكثار من عمل الخيرات قبل أن ينزل بنا الموت، وإن من أفضل الأعمال عند الله الإكثار من الصدقات فقال الله:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تُلهِكُم أَموَلُكُم وَلَا أَولَادُكُم عَن ذِكْرِ الله وَمَن يَفعَلْ ذَلِكَ فَأْوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ.

وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقنَكُم مِّن قَبلِ أَن يَأْتِي أَحَدَكُمُ المَوتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَولَا أَخَّرتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصَّالِحِينَ. وَلَن يُؤَخِّرَ الله نَفساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَالله خَبِيرُ بِمَا تَعْمَلُونَ)

الإكثار من تذكر الموت

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌أكثروا ‌ذكر ‌هاذم اللذات) يعني الموت.[الترمذي]

والهاذم هو الكاسر أي أن الموت يكسر كل لذة في هذه الدنيا، وهذا حث من النبي -صلى الله عليه وسلم- لنا أن نذكر هذا الموت دائما وألا ننساه حتى لا نغفل عن آخرتنا التي فيها معادنا، وفيها حسابنا إما بالجنة أو النار، وألا نغفل عن تهيئة الزاد الذي ينفعنا في آخرتنا.

قال الطيبي: شبه اللذات الفانية والشهوات العاجلة ثم زوالها ببناء مرتفع ينهدم بصدمات هائلة، ثم أمر المنهمك فيها بذكر الهاذم لئلا يستمر على الركون إليها ويشتغل عما عليه من التردد إلى دار القرار، وفيه ندب ذكر الموت بل أكثريته لأنه أزجر للمعصية وأدعى للطاعة.

وقال الغزالي: أي نغصوا بذكره لذاتكم حتى ينقطع ركونكم إليها فتقبلوا على الله.

فهذا الموت لا يذكره الإنسان في كثير من الأمل في الدنيا إلا قلل هذا الأمل، ولا في قليل من العمل إلا صيره جليلا عظيما؛ لأنه عندا عمل هذا العمل وهو ذاكر للموت والآخرة، فأتقن هذا العمل وزاد في الإخلاص في أدئه.

الوصية قبل الموت

ينبغي على المسلم أن يحتاط لنفسه فيكتب وصيته لأنه لا يدري متى يدركه الموت، فربما يأتيه أجله بغتة فيمنعه من الوصية،

لكن إذا كان الإنسان عليه ديون وأمانات ومظالم وجب عليه أن يوصي بها قبل موته؛ لأن أداء الحقوق والأمانات فرض واجب.

عن عبد الله ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ‌ووصيته ‌مكتوبة ‌عنده)[البخاري]

كن في الدنيا كأنك غريب

المسلم ينبغي عليه ألا يركن للدنيا وألا يتخذها موطنا؛ لأنها ليست بدار مستقر، وإنما هي متاع زائل، وإنما ينبغي على المرء أن يتعلق بالدنيا تعلق الغريب الذي لا يطيب له المقام في بلد غربته، وإنما هدفه دائما أن ينقلب لموطنه الذي يستقر فيه.

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).

وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك.[البخاري]

وهنا شبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الإنسان في هذه الدنيا بالمسافر، وذلك لأن الدنيا دار ننتقل منها إلى دار الآخرة.

والغريب المسافر دائما قليل الجلوس إلى الناس كثيرا ما يكون خائفا منهم، لا يتثبث بما ينعه من إكمال سفره، فيتخفف من الأحمال دائما ويحرص على زاده وراحلته التي يتبلغ بها إلى مقصده.

ثم أكد عبد الله بن عمر هذا المعنى ببيانه أن المسلم ينبغي عليه أن يجعل الموت نصب عينيه دائما، فيستعد له بالعمل الصالح وتقصير الأمل في الدنيا وترك الغرور بها.

وهذا الاستعداد يكون في الصباح والمساء، وأن يستفيد من وقت صحته فيستعين بها على العمل الصالح قبل أن ينزل به المرض فيمنعه من العمل، وأن يستفيد من أيام عمره قبل أن ينفد العمر من بين يديه دون أن يستفيد منه شيئا.

الدنيا متاع والآخرة هي دار البقاء

دعا مؤمن آل فرعون قومه وبين لهم أن الدنيا متاع زائل سرعان ما ينتهي كزاد المسافر، وأن الآخرة هي دار المستقر التي لا نهاية لها.

قال الله: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ ‌الدُّنْيَا ‌مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).

فلا تغتروا بهذه الدنيا الزائلة عن الآخرة لأنها مهما طالت فهي زائلة وهي بجانب الآخرة قليلة، قال الله تعالى:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ‌فِي ‌الْآخِرَةِ ‌إِلَّا قَلِيلٌ).

وقال الله: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ‌فِي ‌الْآخِرَةِ ‌إِلَّا مَتَاعٌ).

أحبوا لقاء الله ليحب لقاءكم

عن عبادة بن الصامت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه).

قالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت، قال: (ليس ذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه،

وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله وكره الله لقاءه)[البخاري]

قال أبو عُبَيد في معنى هذا الحديث: ليس وَجهُهُ عندي أنّ يكون الإنسان يكرهُ الموتَ وشدَّته، فإن هذا لا يكاد يَخْلُو منه لا نبيُّ ولا وليٌّ، ولكن المكروه من ذلك إيثارُ الدّنيا والرُّكون إليها، وكراهية أنّ يصيرَ إلى الله والدّار الآخرة، ويُؤثِرُ المقام في الدُّنيا.

قال : وممّا يُبيِّن لك هذا؛ قوله تعالى إذ عاتب قومًا يحبّون الحياة الدّنيا وزِينَتَها، فقال عزّ من قائل: (إِنَّ الَّذِينَ ‌لَا ‌يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ).

مقالات ذات صلة