قصة موسى وإسماعيل وإدريس في سورة مريم

تفسير سورة مريم من الآية 51 إلى رقم 58

تحدثت الآيات من سورة مريم عن طرف من قصة نبي الله موسى وإسماعيل وإدريس، وذكرت ما تميز به كل واحد منهم من الفضائل والمكارم.

موسى كان نبيا ورسولا

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)

بعد أن أمر الله نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- أن يذكر طرفا من قصة نبي الله إبراهيم ودعوته لأبيه، أمره أن يذكر طرفا من قصة نبي الله موسى كليم الله فقال:

واذكر أيها النبي في القرآن الكريم نبأ موسى -عليه السلام- إنه كان مخلصا عن أي شيء يشينه، وكان مخلصا في عبادته وطاعته لله.

فهو واحد من أولي العزم من الرسل، وكان مرسلا من عند الله ليبلغ للناس كلام الله، وكان نبيا رفيع القدر، وجمع الله الرسالة والنبوة ليؤكد على سمو مكانته وعلو منزلته.

الطور الأيمن

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)

ذكر الله جانبا آخر من فضل الله على موسى -عليه السلام- حيث ناداه من الجانب الأيمن للطور وهو الجبل الواقع في سيناء بمصر، والمراد بالأيمن هو يمين موسى، وقيل: المراد بالأيمن أي كثير اليمن والبركة.

وقد ورد ذكر الطور في أكثر من موضع بتفصيل أكثر فقال الله: (فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ ‌الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)

وقرب الله نبيه موسى منه للمناجاة، فاختصه الله بمناجاته فهو كليم الله، فقال الله: (‌وَكَلَّمَ ‌اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا).

نبوة هارون

وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)

ذكر الله نوعا آخر من الفضل الذي تفضل به على موسى -عليه السلام- حيث وهب الله له أخاه هارون نبيا، رحمة منه، وعطفا عليه، وسندا له في أداء رسالته.

فقد طلب موسى من ربه أن يرسل معه أخاه هارون، فلم يكن هناك أحد أنفع لأخيه من نفع موسى لهارون، قال الله:

(وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قَالَ ‌سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ)

نبي الله إسماعيل وصدق الوعد

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)

واذكر يا محمد في القرآن العظيم نبأ جدك نبي الله إسماعيل بن إبراهيم، وهو الولد الأكبر لإبراهيم، وصفه الله بصدق الوعد، وإن كان غيره من الأنبياء يوصفون به، لكنه تميز به حيث عاني من صدق الوعد أكثر من معاناة غيره.

لما صبر وسلم نفسه لأمر الله واستسلم لأبيه لما أمره الله في المنام بذبح ولده كان الجزاء أن سلم نفسه لأمر ربه، وقد ذكر الله ذلك في القرآن فقال:

(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ‌سَتَجِدُنِي ‌إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).

ووصف الله إسماعيل بكونه رسولا نبيا ليؤكد على سمو مكانته وعلو درجته.

أمر الأهل بالصلاة والزكاة

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)

وهذا ثناء آخر على نبي الله إسماعيل حيث كان يأمر عشيرته وذوي قرباه بالصلاة والتي تمثل العبادة البدنية، والزكاة وهي تمثل العبادة المالية.

فكان يبدأ بنفسه ليكملها بالفضائل ثم يكمل غيره، وهذا هو ما أمر الله به في أكثر من موضع حيث أمر الله نبيه بأن يبلغ عشيرته الأقربين فقال: (وَأَنْذِرْ ‌عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، وقال الله: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ ‌وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا).

وكان إسماعيل عند الله في موضع الرضى، وهذا هو غاية المدح والثناء حيث إن المقصود من كل الأعمال هو الوصول لمرضات الله، وقد أخبر الله عنه أنه قد رضي عنه.

نبي الله إدريس

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)

واذكر أيها النبي في القرآن الكريم نبأ نبي الله إدريس، وهو جد نوح -عليه السلام- وأول مرسل بعد آدم -عليه السلام-، وهو أول من خط بالقلم، وخاط الثياب، ولبس المخيط، فقد كانوا قبله يلبسون الجلود.

إنه كان ملازما للصدق في كل أحواله في أقواله وأفعاله، وتوجه الله بالنبوة تكريما له فقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة.

المكانة العالية لإدريس

وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)

ورفعه الله بسبب طاعته والتزامه طاعته مكانا عاليا وهو شرف النبوة والزلفى من الله، وقيل المراد بالمكان العلي هو الجنة فليس هناك مكان أعلى منه.

الأنبياء من ذرية آدم ونوح وإبراهيم

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ۩ (٥٨)

أولئك الذين ذكرهم الله في هذه السورة من الأنبياء والمرسلين هم الذين أنعم الله عليهم من ذرية آدم، فكان إدريس من نسل آدم عليهم السلام.

وكان من نسل نوح إبراهيم ومن نسل إبراهيم إسماعيل وإسحاق، ومن نسل إسرائيل وهو يعقوب بن إسحاق موسى وزكريا ويحيى وعيسى.

وممن هداهم الله للإيمان واصطفاهم لوحيه ورسالته، إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم خرو سجدا تأثرا بسماع آيات الله فإن لكلام الله تأثيرا في النفوس.

مقالات ذات صلة