دقة القرآن في تخير الألفاظ

الدقة الفائقة للقرآن في اختيار الألفاظ

قد يكون هناك عدد من الألفاظ يدل على معنى واحد، لكن يتخصص كل لفظ من هذه الألفاظ في الدلالة على معنى دقيق حيث يدل عليه بدقة بالغة،

وهذا يجعلك تؤمن أنه لا يصلح للدلالة على هذا المعنى إلا هذا اللفظ، والقرآن الكريم دقيق للغاية في اختياره لتلك الألفاظ التي تدل على معانيها.

(يذبحون أبناءكم)

في قول الله تعالى: (وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ).

لفظة يذبحون نجد أنها تصور حالة ما حدث حيث ضعف حرف الباء للدلالة على كثرة القتل في أبناء بني إسرائيل، ولا يمكن لكلمة القتل مثلا أن تؤدي هذا المعنى المراد.

وقد ورد قول الله: (يذبحون أبناءكم) مرتين: مرة في سورة البقرة بدون واو العطف، ومرة في سورة إبراهيم بواو العطف وهي كالتالي:

قال الله: (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ‌يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)البقرة

وقال الله: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ‌وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)إبراهيم

والفرق بينهما أنها في سورة البقرة جاءت بيان وتفسير لجملة يسومونكم سوء العذاب، فيكون المراد من سوء العذاب هو تذبيح الأبناء واستحياء النساء.

وأما في سورة إبراهيم فجاء السياق ليعدد ألوان المحن التي تعرض لها بنو إسرائيل على يد فرعون وجنوده.

وفائدة تذكير بني إسرائيل بنعمة الإنجاء في أكثر من موضع في القرآن لجلال شأن هذه النعمة ولحملهم على الشكر والطاعة لله.

(يوما عبوسا قمطريرا)

في قول الله: (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً)

استعمال كلمة “عبوسا” هنا عبرت عن المعنى المراد بأدق تعبير حيث بينت حالة الكافرين ونظرتهم لهذا اليوم، حيث يكونون في حالة عبوس وهو كلوح الوجه وانقباضه، حيث يفقدون في هذا اليوم الأمل والرجاء.

وكلمة قمطريرا بطائها التي فيها ثقل في نطقها وهذا الثقل يشير إلى المعنى وهو الشديد الصعب من كل شيء.

وهذا يشير إلى ثقل هذا اليوم، فوصف اليومين بالعبوس والقمطرير على سبيل المجار في إسناده لليوم والمقصود وصف أهله بذلك.

وكلمتا “النضرة والسرور” تفيدان المظهر الحسي للمؤمنين في هذا اليوم  والحالة الداخلية التي تملأ قلوبهم.

(الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم)

في قول الله: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ).

استخدام كلمة “يظنون” دون غيرها دالة على المعنى المراد بدقة أكثر من أي كلمة أخرى في موضعها.

وهي تفيد أن هؤلاء المؤمنين كان كافيا عندهم لبعث الخشوع في قلوبهم أن يكون عندهم مجرد ظن في لقاء الله، فما بالك كيف يكون حالهم إذا كانوا على يقين من لقاء الله.

وهناك من المفسرين من ذهب إلى أن معنى الظن هنا هو اليقين، قال ابن جرير: “إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله- تعالى- عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه، والظن شك، والشاك في لقاء الله كافر؟

قيل له: إن العرب قد تسمى اليقين ظنا: والشك ظنا نظير تسميتهم الظلمة سدفة. والضياء سدفة، والمغيث صارخا، والمستغيث صارخا،

وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن الصمة:

(فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج … ). يعنى بذلك: تيقنوا أن ألفى مدجج تأتيكم، ثم قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى،

وفيما ذكرنا لمن وفق في فهمه كفاية، ومنه قوله تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها) وعن مجاهد قال: “كل ظن في القرآن فهو علم”.

(ختم الله على قلوبهم)

من التصوير القرآني أنه أحيانا يعبر عن المعنويات بالألفاظ التي تدل على المحسوسات؛ ليزيد المعنى تمكنا في النفس وتأثيرا عليه، كما في قول الله: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ).

فكلمة “ختم” التي تستعمل في التعبير عن المحسوس تصور امتناع دخول الحق قلوب هؤلاء الناس.

فأصل الختم معناه هو الاستيثاق بوضع مادة على الشيء تغطيه حتى لا يخرج منه ما هو فيه، ولا يخله ما هو خارج عنه.

والمراد أن الله تركهم على كفرهم الذي اختاروه لأنفسهم ولم يهدهم بسبب إصرارهم على كفرهم وتركهم التذكر بقلوبهم وعقولهم.

(يخرجونهم من النور إلى الظلمات)

في قول الله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ)

كل من كلمتي الظلمات والنور تعبران عن الحق والباطل بصورة محسوسة لتزيد المعنى تمكينا في النفوس.

أو المعنى أن النور عبر الله به عن الإسلام تشبيها له به؛ لأنه يهدي إلى الحق والسعادة كما يهدي النور إلى طريق السلامة.

والتعبير عن الشرك بالظلمات تشبيها له بها؛ لأنه يضل الناس عن الحق والسعادة كما يضل الظلام الناس عن طريق السلامة.

ينقضون ويقطعون

في قول الله: (يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)

فكل من كلمتي ينقضون ويقطعون تستعملان في الأشياء المحسوسة الملموسة، وقد جاءت كل منهما هنا للتعبير عن الأمور المعنوية بالأمور المحسوسة لزيادة بيانها والتمكن من تصورها.

(ضاقت عليهم أنفسهم)

قال الله: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ).

فلفظة “ضاق” في قول الله: (ضاقت عليهم أنفسهم) تصور حالة هؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الغزو، وما أحاط بهم من الألم والندم،

حتى امتلأت قلوبهم بالندم فلم يعد فيها موضع يجدون فيه الراحة، فأصبحوا كأنهم يريدون الفرار من أنفسهم.

(تتجافى جنوبهم)

قال الله: (تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً)

فكلمة “تتجافى” تصور حالة المتقين عندما ينامون كأنما ينامون على الشوك، فلا تكاد جنوبهم تمس فراشهم إلا وقاموا لله قانتين لله،

فكأنهم يشعرون بالراحة في القيام بين يدي الله أكثر من النوم على فراشهم، فجنوبهم ترتفع عن موضع الاضطجاع كناية عن ترك النوم العبادة.

(فطمسنا أعينهم)

قال الله عن قوم لوط: (وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ)

فكلمة الطمس توحي بأن هذه العيون التي كان لها موضع في الوجه انمحى أثرها ولم لها وجود ولا أمارة تدل أنه كان هناك موضع فيه تلك العيون، فقد سوى الله أعينهم كسائر الوجه لا يرى لها شق.

مقالات ذات صلة