شرح حديث الصيام جنة

تغير ريح فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك

بين لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فضيلة الصيام بأنه وقاية لصاحبه من النار، وبين ما ينبغي على الصائم فعله حتى يصون حرمة الصيام.

نص حديث الصيام جنة

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌الصيام ‌جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم – مرتين -.

والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها)[البخاري]

الصيام جنة

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصيام جنة)، ومعنى جنة أي وقاية وسترة لصاحبه من النار، والصيام يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات التي ربما تكون سببا في ولوجه النار.

فالنار في الأصل محفوفة بالشهوات، فإذا حفظ الإنسان نفسه من تلك الشهوات يكون قد حفظ نفسه من النار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌حفت ‌الجنة ‌بالمكاره، وحفت النار بالشهوات)[مسلم]

وهذا من أعظم فضائل الصيام أنه يجعل بين الصائم والنار وقاية، وهو من أفضل العبادات البدنية التي تأمر بالكف عن الفعل، حيث يكف الصائم عن تناول الطعام والشراب والجماع، وهذا على عكس الصلاة فهي عبادة بدنية تأمر بالفعل.

فلا يرفث ولا يجهل

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (…فلا يرفث ولا يجهل..) والفاء في يرفث فيها ثلاث لغات: بالضم والكسر والفتح،

والمراد بالرفث: هو القول الفاحش، ويطلق على الجماع ومقدماته وذكر النساء، فلا يقول بقول أهل الجهل من رفث الكلام وسفهه.

والمراد هنا تعليم الصائم أنه ينبغي عليه أن يحترم قدسية الصيام ويصون لسانه عن الكلام الفاحش وعن الجهل والسفه.

وهذا أمر ينبغي أن يلتزم الصائم به سواء كان يصوم نفلا أم فرضا.

ما يقوله الصائم إذا قاتله أو شاتمه أحد

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (…وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم – مرتين -..) فإن قاتل أحد من الناس الصائم أي نازعه أو شاتمه أو لاعنه، والمفاعلة في المقاتلة والمشاتمة هنا ليست على ظاهرها؛ لأن الصائم لم يقاتل ولم يشاتم بل هو مأمور بالكف عن ذلك.

والمعنى فإن قتله معترضا لمقاتلته أو شتمه معترضا لمشاتمته، وعلى هذا يكون المعنى: إذا أراد أحد مقاتلته أو مشاتمته، وقد يكون المقصود من المقتلة والمشاتمة هنا على ظاهرها بأن يكون الإنسان بحكم طبعه قد تجاوب مع من قاتله أو شاتمه فبادله السباب، ففي هذه الحالة ينبغي عليه أن يتذكر صيامه وأن يكف عن ذلك.

وقوله: (فليقل إني صائم) أي يذكر نفسه بقلبه لا بلسانه أنه صائم، ولا يليق به أن يجهل مع الجاهلين، أو يكون المقصود أن يقول ذلك بلسانه ويسمع صاحبه ذلك حتى ينزجر عن مقاتلته.

ويستحب للإنسان أن يكرر هذا القول سواء في قلبه أو بلسانه حتى يزجر نفسه فلا يهتك حرمة الصيام بالمقتلة والسباب.

طيب ريح فم الصائم

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (..والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك…) الخلوف بضم الخاء وهو ما يخلف بعد تناول الطعام في الفم من ريح كريهة لخلاء المعدة من الطعام.

والمعنى: أن الله يكافيء صاحب الصيام بأن يجزيه حتى تكون رائحة فمه أطيب من ريح المسك، أو أنه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك، وطيب رائحة فم الصائم يكون في الآخرة؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أطيب عند الله).

وهذا الحديث يبين فضل الصيام، حيث بين هنا أن تغير رائحة الفم بسبب الصيام أطيب عند الله من ريح المسك،

أما ريح دم الشهيد فهو عند الله مثل ريح المسك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما من مكلوم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وكلمه يدمى، اللون لون دم، ‌والريح ‌ريح ‌مسك)[البخاري]

الصيام من أجل الله

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (…يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي…)

هذا الكلام وما بعده من كلام الله تعالى يحكيه النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ربه، لأن الصائم يترك طعامه وشرابه من أجل الله لا من أجل النبي -صلى الله عليه وسلم- .

فإذا فعل ذلك من أجل أحد غير الله لا يكون هذا الصيام مقبولا؛ لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري ‌تركته ‌وشركه)[مسلم]

الصيام لي وأنا أجزي به

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (…الصيام لي وأنا أجزي به…) لماذا اختص الله الصيام من بين العبادات بأنه له مع أن جميع العبادات لله؟

الجواب : المقصود أن الله هو الذي يتولى الجزاء على الصيام؛ لأنه لا يظهر فتكتبه الملائكة الذين يكتبون على العباد أعمالهم كما يكتبون أعمال الجوارح الظاهرة،

وإنما حقيقة الصيام أنه نية وإمساك فالله هو الذي يجازي عليه، وهذا يفيد أن الجزاء يكون عظيما لأن الكريم إذا تولى العطاء بنفسه كان العطاء عظيما.

وإضافة الصيام إلى الله فيه تعظيم وتشريف لتلك العبادة كما نقول بيت الله، وقيل في سبب إضافة الصيام إلى الله أنه لم يعبد به أحد غير الله، فلم يصم الكفار لآلهتهم التي عبدوها من دون الله.

الحسنة بعشر أمثالها

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (…والحسنة بعشر أمثالها…) عامل الله العباد بفضله ولم يعاملهم بعدله، فلو عامل الله العباد بعدله لجعل الحسنة بمثلها، لكنه عاملهم بفضله فجعل الحسنة بعشر أمثالها.

وهذا التضعيف هو أقل تضعيف يجعله الله للحسنة قال الله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ ‌عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).

وهناك تضعيف آخر حيث يجعل الله الحسنة بسبعمائة ضعف وإلى اضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله، قال الله: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي ‌كُلِّ ‌سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

مقالات ذات صلة