تفسير

تفسير آيات صيام شهر رمضان من سورة البقرة

بينت الآيات من سورة البقرة أن الله تعالى فرض صيام شهر رمضان، وأباح لأصحاب الأعذار ممن أصابهم المرض أو كانوا على سفر، ولم يستطيعوا الصيام أن يفطروا ثم يقضوا هذه الأيام في غير رمضان.

فرض الصيام

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الصِّيامُ 

نادى الله على المؤمنين بلفظ الإيمان؛ ليحرك مشاعر الإيمان في قلوبهم، وليحملهم على الالتزام بالأمر الوارد بعد هذا النداء، وأتى النداء للمؤمنين دون الناس؛ لأن المؤمنين هم المخاطبون بفروع الشريعة.

والمعنى: فرض الله عليكم أيها المؤمنون صيام شهر رمضان، حيث جعله الإسلام ركنا من الأركان التي بني عليها الإسلام.

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌بني ‌الإسلام ‌على ‌خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان)البخاري

والصوم معناه في اللغة: الإمساك، وقد يطلق الصيام على الإمساك عن الكلام كقول الله عن مريم: (إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا).

وفي الشرع: الإمساك عن الطعام والشراب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع تبييت النية.

فرض الله الصيام على الأمم السابقة

كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

وقد فرض الله الصيام على الأمم من قبلنا من لدن آدم إلى يومنا، وإن كان لكل أمة صيام بكيفة يعلمها الله.

لعلكم تتقون الله بفعل ما أمركم به، واجتناب ما نهاكم عنه، أو لعلكم تجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية؛ لأن الصيام يذكر الإنسان بربه.

ولذا حبب النبي -صلى الله عليه وسلم- الصيام للشباب الذين لا يجدون مئونة الزواج فقال: (‌يا ‌معشر ‌الشباب، من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء)البخاري

فائدة التذكير بصيام الأمم السابقة

وفائدة التذكير بحال الأمم السابقة، الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بشأنها، إذ شرعها الله لأتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأتباع الرسل الذين سبقوه.

وتسهيل العبادة على المسلمين لأن الشيء الشاق تخف مشقته عندما يعلم أن غيره قام بأدائه من قبله، وإثارة العزائم والهمم للنهوض بتلك العبادة.

الصيام أيام معدودات

أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ

هذا الصيام الذي فرضه الله عليكم أيها المسلمون إنما هو أيام معدودات، وهي شهر رمضان فلم يفرض الله عليكم صيام العام كله، وإنما شهر واحد في العام كله.

وفائدة ذكر الأيام المعدودات التقليل، فقد فرض الله الصيام أولا، ثم بين أنه أيام قلائل معدودة، ثم ذكر أنها هي شهر رمضان.

رخصة الإفطار للمريض والمسافر

فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

فمن كان منكم مريضا مرضا لا يحتمل الصيام، أو علم أنه إن صام وهو على تلك الحال ازداد المرض أو تأخر الشفاء فله أن يفطر ثم يصوم هذه الأيام التي أفطرها بعد الشفاء.

أو كان مسافرا سفرا يبلغ مسافة القصر، وكان في طاعة ولا يتحمل معه الصيام فله أن يفطر ويصوم بعد أن ينتهي من سفره، والأولى له إن كان يقوى على الصيام أن يصوم؛ لقول الله: (وأن تصوموا خيرا لكم).

وجوب الإطعام على من أفطر

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ

اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية فمنهم من قال: إن المقصود من الآية هنا أنهم كانوا في بداية فرض الصيام لم يكونوا معتادين على الصيام فكانوا مخيرين بين الصيام أو الفطر مع الإطعام عن اليوم مسكينا، حتى نزل قول الله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه).

واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت: (وعلى ‌الذين ‌يطيقونه ‌فدية طعام مسكين) كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.

والمراد بالآية قول الله: (شهر رمضان …).

ومن المفسرين من قال المقصود بالآية: من استطاع الصيام مع المشقة كمن به شيخوخة ومرض مزمن لا يشفى منه فأفطر له أن يطعم عن كل يوم مسكينا.

فمن زاد على القدر المطلوب منه في الإطعام بأن أطعم مسكينين عن كل يوم فهو خير له أو صام وأطعم فهذا الجمع خير له.

الصيام خير من الفطر

وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

هذا خطاب لمن أباح الله له الفطر بأن الصيام خير له إذا لم يكن فيه مشقة عليه أو يؤدي به إلى التهلكة لو كان يعلم ما فيه من الأجر والفضيلة.

نزول القرآن في رمضان

شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ

بين الله تعالى أن الأيام المعدودات التي فرض الله على الناس صيامها هي شهر رمضان، وهذا الشهر الذي ابتدأ فيه إنزال القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا.

ثم نزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- مفرقا في ثلاثة وعشرين عاما، وكان هذا الإنزال في ليلة القدر من شهر رمضان حيث قال الله: (إنا أنزلناه في ليلة القدر).

ووصف الله هذه الليلة بأنها ليلة مباركة فقال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة)

وهذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه ليبلغه لعباده فيه إرشاد لهم، وحجج وبراهين، وىيات تفرق بين الحق والباطل.

وجوب صيام رمضان

فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ

فمن حضر منكم هذا الشهر ولم يكن مسافرا ولا مريضا فليصم هذا الشهر على سبيل الوجوب.

ويثبت وجوب الصيام بالموجب الشرعي له وهو العلم بهلال شهر رمضان؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌صوموا ‌لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)البخاري

قضاء الصيام للمريض والمسافر

وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ

فمن كان منكم مريضا بحيث يشق عليه الصيام مع المرض، أو كان مسافرا لا يقوى على الصيام مع السفر، جاز له أن يفطر ثم يقضى ما أفطره في رمضان بعد رمضان.

وسر إعادة الأمر هنا ليؤكد على أن رخصة الإفطار للمريض والمسافر باقية لئلا يظن أن الرخصة قد أزيلت بسبب ما ورد قبلها من قول الله: (فمن شهد من الشهر فليصمه).

تيسير التكاليف

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ

فرخصة الإفطار للمريض والمسافر في رمضان هي من باب التخفيف؛ لأن الله يريد التيسير على العباد، قال الله: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا).

ولا يريد الله أن يحمل عباده ما لا يطيقون تحمله، كما قال الله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها).

إكمال عدة رمضان

وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

ما شرعه الله لكم من الأحكام هو من أجل أن تكملوا صيام رمضان كاملا سواء كان أداء في وقته أو قضاء بعد ذلك لمن كان عنده عذر، بأن يقضي هذه الأيام في غير رمضان.

وقد شرع الله لكم صيام رمضان؛ لتعظموا الله بالحمد والثناء بسبب ما هداكم إليه من صيام شهر رمضان، والترخص بالفطر عند وجود العذر، ثم القضاء بعد ذلك لتكمل عدة رمضان، لتشكروا الله على نعمة الصيام.

للاطلاع على المزيد: