تفسير سورة النجم من الآية رقم 39 إلى الآية رقم 62

القرآن نذير للناس من جنس كتب الأنبياء السابقة

تحدثت الآيات من سورة النجم هنا عن أن الإنسان لن ينال في آخرته إلا جزاء سعيه، كما تحدثت عن الأمم التي أهلكها الله قبل ذلك، وعن قرب قيام الساعة، وختمت السورة بالأمر بالسجود والعبادة لله.

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى

وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)

وأن الإنسان لن يجد في الآخرة إلا جزاء سعيه وعمله، وهذا هو المعنى الذي أكده الله في أكثر من موضع من القرآن، فقال الله تعالى:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا ‌وَلْنَحْمِلْ ‌خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وقال الله: (كُلُّ ‌نَفْسٍ ‌بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)

وأن الإنسان سوف يرى جزاء سعيه حاضرا في الآخرة، تشريفا للمحسن على إحسانه، وتوبيخا للمسيء على إساءته.

وأن الإنسان سوف يجزى على عمله الجزاء الأتم، وهذا وعد من الله للمؤمنين، ووعيد للكافرين.

كل الأمور تنتهي عند الله

وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢) وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)

وأن إلى ربك وحده تنتهي الأمور فإليه المرجع والمصير والمآل، فيجازي الذين أساءوا بما عملوا، ويجازي الذين أحسنوا بالحسنى، وأن الله هو الذي خلق الفرح والحزن، والضحك والبكاء، فهو الذي أوجد كل هذا واوجد سبب الضحك والبكاء، وسبب الفرح والحزن.

الموت والحياة بيد الله

وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)

وأن الله تعالى هو الذي خلق الموت والحياة ليختبر عباده بهما، قال الله: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا).

فهو وحده القادر على الإماتة والإحياء، ولا بقدر على ذلك غيره، وكرر ذكر الضمر “هو” لبيان أن هذا من خصائص الله.

الله نوع الخلق فخلق الذكر والأنثى

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)

وأن الله هو الذي خلق الذكر والأنثى من بني آدم ومن كل حيوان، ومن مخلوقات أخرى لا يعلمها إلا الله.

وهذا تنبيه على بديع قدرة الله أنه قادر على خلق الأشياء المتضادة في محل واحد، فخلق الضحك والبكاء،

وخلق الموت والحياة، وخلق الذكر والأنثى، من تلك النطفة التي تخرج من صلب الرجل وتصب في رحم المرأة، والتي تبدوا وكأنها شيء واحد، خلق الله منها أشياء متباينة مختلف بعضها عن بعض حتى خلق منها الذكر والأنثى.

الإحياء بعد الموت

 وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)

وأن على الله الإحياء بعد الموت للبعث والحساب، وهنا نجد أنه لما بالغ المشركون في إنكار البعث والحساب أكد الله أنه هو من يتولى عملية البعث بعد الموت، فأتى بلفظ “عليه” التي تفيد الإلزام كأن الله ألزم نفسه بفعل ذلك.

الغنى والفقر بيد الله

وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)

وأن الله هو الذي أغنى الناس وهو الذي يفقرهم، فهو الذي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده وهو الذي يقتره على من يشاء.

قال الله: (إِنَّ رَبَّكَ ‌يَبْسُطُ ‌الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا).

الله هو رب كوكب الشعرى

وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)

وأن الله هو رب كوكب الشعرى، وهو كوكب قوي الإضاءة، وكانت خزاعه تعبده وأول من عبده منهم رجل يسمى أبو كبشة من قبيلة خزاعة وكان سيدهم، ويقال إن الشعرى أكبر من الشمس لكنه يرى أصغر منه؛ لأنه أبعد عنه.

هلاك الأمم المكذبة

وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)

وأن الله هو الذي أهلك قوم عاد بسبب تكذيبهم لرسولهم وعدم إيمانهم بربهم، ووصفهم الله بالأولى لأنهم كانوا أول الأمم هلاكا بعد نوح -عليه السلام- وقيل غير ذلك.

وأهلك من بعد عاد قوم ثمود فما أبقى منهم أحدا، وأهلك من قبل عاد وثمود قوم نوح إنهم كانوا أظلم وأطغى من عاد وثمود، فقد مكث فيهم نبي الله نوح يدعوهم إلى الإيمان بالله ألف سنة إلا خمسين عاما فما آمن منهم إلا قليل، وهم الذين ركبوا مع نوح في السفينة.

هلاك قرى قوم لوط

وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)

وقرى قوم لوط التي أسقطها الله من السماء إمعانا في تعذيبهم؛ وذلك لأنهم مع كفرهم بالله كانوا يأتون الفاحشة التي لم يأت بها أحد من العالمين، وهي إتيان الذكور دون الإناث.

فقد رفع جبريل قراهم على طرف جناحه إلى السماء ثم أسقطها إلى الأرض، بأن جعل عاليها سافلها، ثم غشى الله أهلها بالحجارة التي رجمهم بها حتى تواروا تحتها، كما قال الله:

(فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ)، فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته وقدرته المطلقة تتشكك أيها المكذب.

القرآن نذير للناس

هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)

هذا القرآن نذير لكم ومحذر من سوء العاقبة على تكذيبكم بآيات الله، وهو من جنس النذر الأولى من الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء السابقين.

وقد يكون المقصود بقول الله: (هذا نذير). أي محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو كغيره من الأنبياء السابقين الذين حذروا أقوامهم.

اقترب قيام الساعة

أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)

قرب قيام الساعة فهذه الآزفة ليس هناك نفس تقدر على معرفة وقتها غير الله؛ لأن هذا من الأمور الغيبية التي أخفى الله علمها عن الناس.

قال الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا ‌يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

الأمر بالسجود والعبادة لله

أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا ۩ (٦٢)

أفمن هذا القرآن الذي حدثكم به رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو مشتمل على البشارة والإنذار تعجبون منه على سبيل الإنكار لما فيه.

وتضحكون على سبيل الاستهزاء، ولا يحملكم ذلك على البكاء من سوء المصير الذي ينتظركم، تفعلون ذلك وأنتم لاهون عن حقائق الأمور، فاسجدوا لله وحده وأفردوه بالعبادة فليس هناك من يستحق العبادة غيره.

فليست معبوداتكم التي لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر ولا تعلم شيئا تستحق شيئا من تلك العبادة.

مقالات ذات صلة