تفسير سورة النجم من الآية رقم 29 إلى الآية رقم 38

ترك كبائر الذنوب والفواحش من صفات المتقين

في هذه الآيات من سورة النجم تحدثت عن المشركين الذين أصروا على اتباع الباطل والانغماس في شهوات الدنيا، وأن القدرة المطلقة والمالك التام لله وحده لا شريك له في ملكه ولا سلطانه.

الإعراض من مجادلة المشركين

فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)

فاعرض يا محمد عن مجادلة هؤلاء المشركين ومحاولة إظهار الحق لهم؛ لأنهم قد أعرضوا بأنفسهم عن سماع الحق، وانغمسوا في ملذات هذه الدنيا بحيث لا يرون غيرها.

فمن أعرض عن الحق الذي جاءه من الله، وأصر على اتباع هواه، أعرض الله عنه، فلا تهتم يا محمد لأمرهم، وانشغل عنهم بما هو أنفع، وبمن هم بحاجة إلى سماع هذا الحق، فإنهم صاروا كالأنعام لا يعقلون ولا يفرقون بين حق ولا باطل.

الدنيا هي نهاية علم المشركين

ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)

إن انغماس هؤلاء المشركين في الدنيا، وانقطاعهم بها عن الآخرة، هو منتهى علمهم، وهذا فيه ما فيه من تحقير لشأنهم، وازدراء بعلمهم، الذي أدى بهم إلى تفضيل الفاني على الباقي.

إن ربك يا محمد هو أعلم بمن أصر على الباطل من الناس، وهو أعلم بمن هو حريص على الاهتداء والاستجابة للحق.

الله له ما في السماوات والأرض

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)

فلله وحده ملكا وخلقا وتدبيرا وتصرفا كل ما في السماوات والأرض ، ليجزي يوم القيامة الذي أساءوا في أعمالهم بما يستحقونه من عقاب، وليجزي الذي أحسنوا في أعمالهم بما يستحقونه من ثواب.

قال ابن الجوزي: “والآية إِخبارٌ عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله: (لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ) لأنه إِذا كان أعلم بالمسيء وبالمحسن جازى كلاً بما يستحقه، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك.

صفات المتقين

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ 

ذكر الله في هذه الآية صفات المتقين وهم الذين يتجنبون الوقوع في كبائر الذنوب من الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وغير ذلك من كبائر الذنوب المهلكات التي توبق صاحبها في نار جهنم.

والمعنى: والذين يتجنبون فواحش الذنوب من الأمور المنكرة شرعا وعقلا، كالزنى فإنه من فواحش الذنوب قال الله: (‌وَلَا ‌تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)

ونكاح زوجة الأب فهذا نكاح شر من سفاح، قال الله: (وَلَا تَنْكِحُوا ‌مَا ‌نَكَحَ ‌آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا).

إلا اللمم أي صغائر الذنوب التي ربما لا يسلم الإنسان من الوقوع فيها، كالنظرة، والكلمة إذا لم يكن هناك إصرار على فعلها، لأن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة.

عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا ‌أشبه ‌باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه)[البخاري]

فمن اجتنب الكبائر كان أقرب لعفو الله ورحمته، قال الله: (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).

لأن الله تعالى غفار لزنوب عباده، ستار لعيوبهم، وسعت رحمته كل شيء، وسبقت رحمته غضبه.

الله علام الغيوب

هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)

فالله أعلم بحالكم أكثر من علمكم بأنفسكم، فهو يعلم حالكم قبل أن يخلقكم، ويعلم حالكم عندما كنتم في صلب أبيكم آدم، وعندما كنتم مستترين في أرحام أمهاتكم يعلم الشقي من السعيد، ويعلم التقي من الفاجر.

فلا تزكوا أنفسكم بنسبتها إلى الطهارة والبعد عن المعاصي؛ لأن النفس إذا مدحت اغترت وتكبرت، فالله يعلم الصالح من الطالح، وهو أعلم بمن أخلص عمله واتقى ربه في سره وعلانيته.

الكلام على من ارتد بعد الإيمان

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)

نزلت هاتان الآيتان وما بعدهما في الوليد بن المغيرة حيث اتبع النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم عيره بعض المشركين وقالوا له : تركت دين الأشياخ وضللتهم، وزعمت أنهم في النار.

فقال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له أحدهم أن يتحمل عنه عذاب الله، فارتد عن الإسلام ورجع لدين قومه.

فبعد أن أعطى الإسلام بمدحه أكدى أي قطع العطاء، ومعنى الكدية يقال لمن حفر بئرا ثم وجد صخرة تمنعه من إتمام الحفر يكون بذلك قد أكدى، ثم استعمله العرب في كل من طلب شيئا ثم لم يبلغ آخره.

كل واحد يحاسب على عمله

أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)

أعنده علم الغيب أن صاحبه سيتحمل العذاب عنه في الآخرة إن كان هناك حساب وعقاب، ألم يخبر هذا بما أنزله الله على موسى في التوراة، وما أنزله الله على إبراهيم في صحفه، أنه لا يحاسب أحد عن أحد، ولا يؤاخذ أحد بذنب أحد.

مقالات ذات صلة