تفسير سورة النجم من الآية رقم 19 إلى الآية رقم 28

مناقشة معتقدات المشركين

في هذه الآيات من سورة النجم ناقش الله معبودات هؤلاء المشركين الذين يجادلون في قدرة الله وعظمته، وبين أن هذه المعبودات الباطلة لا تملك من القدرة شيئا وأنها مجرد أسماء لا حقيقة لها.

توبيخ المشركين

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)

لما ذكر الله تعالى في بداية السورة بعضا من دلائل قدرته، سفّه ووبّخ المشركين الذين يجادلون في الله وهم في الحقيقة يعبدون أحجارا.

فبدأت الآيات هنا بسؤال إنكار وتهكم، والمعنى: أخبروني أيها المشركون عن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله هل لها من القوة والعلم والحكمة ما يرشحها لأن تكون آلهة؟

إنها في الحقيقة أصنام لا تنفع ولا تضر بل لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعا، ولا أن تدفع عنها ضرا، فكيف تفعل ذلك بغيرها.

فما تلك المعبودات الباطلة إلا أحجارا اشتققتم لها اسما من أسماء الله، فاشتققتم من اسم الله اللات، ومن اسم الله العزيز العزة.

صنم اللات

وكان اللات صنم يعبد بالطائف، وقيل في هذا الصنم أنه كان هناك رجل يلت السويق للحجاج على حجر، فلما مات عبدوا هذا الحجر إجلالا له وسموه بذلك، وبقيت اللات إلى أن دخلت ثقيف في دين الله فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المغيرة بن شعبة فهدمها.

صنم العزى

وأما العزى فهو صنم لغطفان وهي شجرة ببطن نخلة فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليها خالد بن الوليد فقطعها.

صنم مناة

ومناة صنم لخزاعه وهي صخرة ضخمة وسميت بذلك لأنهم كانوا يريقون دماء الذبائح عندها تقربا إليها، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إليها علي بن أبي طالب فهدمها عام الفتح.

وأما وصف مناة بالأخرى فهو من باب الذم لها، فهي المتأخرة الوضيعة وهذا أيضا فيه ذم للسابقيتن وهما اللات والعزى.

القسمة الجائرة للمشركين

أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)

لقد كان هؤلاء المشركون مع عبادتهم لتلك الأصنام التي لا تنفع ولا تضر، يدّعون أن الملائكة هم بنات الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فوبخهم الله وتهكم بهم بهذا السؤال، وبين سبب هذا التهكم بقوله لهم: إن هذه قسمة جائرة ظالمة، لا مراعاة فيها للقسط والعدل.

والمعنى: أجعلتم لله البنات وجعلتم لأنفسكم البنين بالرغم من أنكم لم تخلقوا البنات ولا البنين، وإنما تقرون وتعترفون بأن الخالق هو الله، إن قولكم هذا في غاية الجور والظلم والحمق.

الأصنام المعبودة ما هي إلا أسماء

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ

فما هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله وظننم أن لها شيئا من الحكم والأمر إلا أسماء محضة لا يوجد فيها شيء من صفات الألوهية سميتموها أنتم وآباؤكم من قبل أنفسكم،

فليس لما ادعيتموه لها شيء من حقيقة الألوهية في الواقع حتى ولو كان بمجرد حجج واهية، فما أخبر الله بأنها آلهة ولا توجد حجة ولا برهان يؤكد شيئا مما ادعيتموه لها.

اتباع الظن

إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)

فما يتبع هؤلاء المشركون الجاهلون إلا الظن الباطل، وما تشتهيه الأنفس واتباع ما كان عليه الآباء دون إعمال عقل أو اتباع برهان أو دليل، ولقد جاء هؤلاء الحق من ربهم دون عناء ومشقة، ومع ذلك رفضوه وأصروا إلا أن يتبعوا ما يخالف العقل والمنطق.

ليست الأمور بالتمني

أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)

فليس لهؤلاء المشركين كل ما يشتهوه ويتمنوه حتى يطمعوا في شفاعة تلك الأصنام لهم، حتى كان المشركون منهم يكفرون بالله ويحاربون رسله ويصرون أنه إن كانت هناك آخرة فسيكونون مفضلون فيها على غيرهم، وما هذا إلا من هوى النفس وعبثها.

قال الله: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ ‌لِي ‌عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ).

فالله هو مالك الدنيا والآخرة، فمن أراد ما عند الله فعليه باتباع هدى الله وترك هوى نفسه.

شفاعة الملائكة

وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)

وبخ الله هؤلاء المشركين بهذه الآية حيث بدأ بالاستفهام الخبري الذي لا يحتاج لجواب، وإنما يراد به التكثير.

والمعنى: وهناك الكثير من الملائكة الذين هم من أعجب خلق الله في السماوات لا يملكون أن يشفعوا لأحد من عباد الله ممن يستحقون الشفاعة من المؤمنين إلا من بعد أن يأذن الله لهم ويرضى بشفاعتهم.

فكيف تطمعون أنتم أيها المشركون في شفاعة تلك الأحجار التي لا تنفع ولا تضر .

قول المشركين الملائكة بنات الله

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)

إن الذين لا يصدقون بالبعث والحساب ليسمون الملائكة تسمية الأنثى فيقولون: الملائكة هم بنات الله.

وليس لهم بينة ولا برهان على قولهم، ولم يكونوا شاهدين وقت خلق الله للملائكة حتى تكون شهادتهم عن علم، وإنما هو محض كذب وافتراء على الله.

وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)

وما هو إلا اتباع للظنون الكاذبة، وتلك الظنون لا تغني عن الحق الذي أخبر الله به شيئا، قال الله: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ).

مقالات ذات صلة