الأحكام المتعلقة بالشهداء بعد موتهم

الشهيد الذي نتكلم عنه ونخصه بتلك الأحكام التي يختص بها هو شهيد الدنيا والآخرة الذي مات مجاهدا في سبيل الله.

شهيد الدنيا

وشهيد الدنيا الذي مات من أجل الغنيمة فإنه في الآخرة عند الله ليس شهيدا، لكننا في الدنيا نعامله معاملة الشهداء؛ لأننا لا نحكم على ما في القلوب، وإنما نحكم على الظاهر من أفعال العباد.

غسل الشهيد

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الشهيد الذي مات في المعركة وهو يقاتل أعداء الله لا يغسل ليلقى الله بدمه؛ ليكون شاهدا له أمام الله.

فإن جروح الشهداء ودماؤهم تأتي يوم القيامة كهيئتها حين جرحت لكن الدم يكون له ريح المسك كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كل كَلْم يُكلمه المسلم في سبيل الله، يكون يوم القيامة كهيئتها، إذ طعنت تفجر دما، ‌اللون ‌لون ‌دم، والعرف عرف مسك)[البخاري]

ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شهداء أحد لما أشرف عليهم : (إني أشهد على هؤلاء، ‌زملوهم ‌بكلومهم ودمائهم)[أحمد]

أما من مات في غير ميادين الجهاد ممن نص رسول الله على أنهم شهداء كالغريق والمبطون والمرأة التي ماتت في الولادة وغير ذلك فهؤلاء شهداء الآخرة يغسلون باتفاق العلماء.

تكفين الشهيد

لا يكفن الشهيد الذي مات في المعركة كسائر الموتى، بل يدفن في ثيابه التي مات فيها؛ لما ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بقتلى أحد أن يكفنوا في ثيابهم وبدمائهم.

قال ابن القيم في زاد المعاد: وقد اختلف الفقهاء في أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يدفن شهداء أحد في ثيابهم، هل هو على وجه الاستحباب والأولوية، أو على وجه الوجوب؟

على قولين: الثاني: أظهرهما وهو المعروف عن أبي حنيفة، والأول هو المعروف عن أصحاب الشافعي وأحمد.

فإن قيل: فقد روى يعقوب بن شيبة وغيره بإسناد جيد، (أن صفيه أرسلت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- ثوبين ليكفن فيهما حمزة، فكفنه في أحدهما، وكفن في الآخر رجلا آخر).

قيل: حمزة كان الكفار قد سلبوه، ومثلوا به، وبقروا عن بطنه، واستخرجوا كبده؛ فلذلك كفن في كفن آخر.

وهذا القول في الضعف نظير قول من قال: يغسل الشهيد، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أولى بالاتباع.

الصلاة على الشهيد

اختلف الفقهاء في حكم الصلاة على الشهيد فذهب الحنفية إلى وجوبها، واستدلوا على ذلك بما رواه النسائي في سننه عن شداد بن الهاد، أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فآمن به واتبعه،

ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي -صلى الله عليه وسلم- سبيا، فقسم وقسم له،

فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟، قالوا: قسم قسمه لك النبي -صلى الله عليه وسلم- فأخذه فجاء به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)،

قال: ‌ما ‌على ‌هذا ‌اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا، وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت فأدخل الجنة فقال:

(إن تصدق الله يصدقك) فلبثوا قليلا ثم نهضوا في قتال العدو، فأتي به النبي -صلى الله عليه وسلم- يحمل قد أصابه سهم حيث أشار،

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أهو هو؟) قالوا: نعم، قال: (صدق الله فصدقه)، ثم كفنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في جبة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قدمه فصلى عليه،

فكان فيما ظهر من صلاته: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا أنا شهيد على ذلك).

أما المالكية والشافعية فيرون عدم الصلاة عليه، لأنهم أحياء بنص القرآن، فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول:

(أيهم أكثر أخذا للقرآن). فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة). وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ‌ولم ‌يصل ‌عليهم.

ولا يصلى على الشهيد في أصح الروايتين عند الحنابلة.

قال ابن القيم: إن شهيد المعركة لا يصلى عليه لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يصل على شهداء أحد، ولم يعرف عنه أنه صلى على أحد ممن استشهد معه في مغازيه، وكذلك خلفاؤه الراشدون، ونوابهم من بعدهم.

فإن قيل: فقد ثبت في ” الصحيحين ” من حديث عقبة بن عامر (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يوما، فصلى على أهل أحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر).

وقال ابن عباس: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد).

قيل: أما صلاته عليهم، فكانت بعد ثماني سنين من قتلهم قرب موته، كالمودع لهم، ويشبه هذا خروجه إلى البقيع قبل موته يستغفر لهم، كالمودع للأحياء والأموات، فهذه كانت توديعا منه لهم، لا أنها سنة الصلاة على الميت، ولو كان ذلك كذلك لم يؤخرها ثماني سنين لا سيما عند من يقول لا يصلى على القبر أو يصلى عليه إلى شهر.

دفن الشهيد

من السنة أن يدفن الشهداء في موضع قتلهم فلا ينقلون من مكان لآخر، فعن جابر بن عبد الله قال: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم فقال لي أبي عبد الله:

يا جابر لا عليك أن تكون في نظار أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي.

فبينا أنا في النظارين إذ جاء ابن عمتي بأبي وخالي عادلهما على ناضح فدخل بهما المدينة ليدفنهما في مقابرنا.

إذ لحق رجل ينادي ألا إن النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمركم أن ‌ترجعوا ‌بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت. قال: فرجعناهما مع القتلى حيث قتلت)[صحيح ابن حبان]

دفن أكثر من شهيد في قبر واحد

يجوز دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، لما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: (أيهم ‌أكثر ‌أخذا ‌للقرآن).

فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة). وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم.

مقالات ذات صلة