الحياء من الأخلاق المأثورة عن الأنبياء

عن ‌أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ‌إذا ‌لم ‌تستحي فاصنع ما شئت)[البخاري]

الحياء مما أثر عن الأنبياء

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة ‌إذا ‌لم ‌تستحي فاصنع ما شئت)

هنا يوضح النبي -صلى الله عليه وسلم- أن من الأمور المأثورة عن الأنبياء السابقين والتي تداولها الناس، والتي ينبغي علينا أن نلتزم بها هي خلق الحياء.

ومعنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:  (‌إذا ‌لم ‌تستحي فاصنع ما شئت) على معنيين:

أحدهما: إذا لم يكن عندك حياء فافعل ما شئت على سبيل التهديد والوعيد، أي أن الله سيعاقبك على ما تفعله.

وهذا كقول الله: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‌اعْمَلُوا ‌مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

والثاني: إذا لم يستحي الإنسان فعل ما شاء؛ لأن الذي كان يمنعه عن فعل القبائح هو الحياء، فلما فقده فعل ما شاء.

فكان هذا على سبيل الإخبار عن حال من فقد حياءه، وهذا كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، ‌من ‌كذب ‌علي ‌متعمدا فليتبوأ مقعده من النار)[البخاري]

الحياء من الإيمان

الحياء هو تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم كما قال الزمخشري.

والحياء من أخلاق الإيمان التي ينبغي على الإنسان أن يحافظ عليها؛ لأن الحياء يمنع صاحبه عن الفواحش ويحمله على البر، وكذلك الإيمان يفعل ذلك بصاحبه فكان كانه مساو له.

عن عبد الله بن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر على رجل من الأنصار، وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دعه فإن ‌الحياء ‌من ‌الإيمان)[البخاري]

وهذا الرجل الذي مر عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعظ أخا له في الحياء أي يعاتبه على كثرة حيائه؛ لأنه أضر به، ويأمره بألا يكثر منه، فإنه ربما يمنع الرزق والعلم بسبب الحياء.

فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتركه على حيائه؛ لأن الحياء شعبة من شعب الإيمان، ولأن الرجل ربما كان لا يستطيع أن يفعل إلا ذلك؛

لأن الحياء الذي كان عليه كان جبليا فلو تخلى عنه ربما تركه بالكلية فأضر به وانقلب للنقيض، لذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يعظ أخاه في الحياء أن يتركه على حيائه.

الحياء لا يأتي إلا بخير

الحياء خلق لا يجلب لصاحبه إلا الخير دائما، ولا يغري الإنسان إلا بالخير دائما، فعن عمران بن حصين قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (‌الحياء ‌لا ‌يأتي ‌إلا ‌بخير)[البخاري]

أنواع الحياء

الحياء نوعان: أحدهما: ما كان جبلة أي غير مكتسب أي طبيعة خلق الإنسان عليها، وهو من أعظم الأخلاق التي يهبها الله للإنسان، حيث يكفه عن فعل القبيح، ويحثه على التزام مكارم الأخلاق.

والنوع الثاني: ما كان مكتسبا يكتسبه الإنسان من الالتزام بما شرعه الله للعباد، فإذا حفظ حدود الله وانتهى عما نهاه الله عنه تولد عنده الحياء من الله بأنه لا يقوى على أن يراه الله على معصيته، فقد يتولد الحياء من مشاهدة نعم الله ورؤية تقصيره في حق ربه.

عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (استحيوا من الله حق الحياء)

قال: قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: (ليس ذاك، ولكن ‌الاستحياء ‌من ‌الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى،

والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)[الترمذي]

ترك قول الحق ليس من الحياء

قد يتبادر إلى الذهن أن ترك قول الحق وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الحياء، والحقيقة أن هذا الفعل ليس من الحياء في شيء، ولا يوصف به،

وإنما هذا الفعل عجز وخور، لأن معنى الحياء في الشرع هو خلق يحمل الإنسان على ترك القبيح ويمنع من التقصير في القيام بالحق الواجب.

قال النووي: قد يشكل على بعض الناس هذا الحديث من حيث إن صاحب الحياء قد يستحي أن يواجه بالحق من يجله ويعظمه، فيترك أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر،

وقد يحمله الحياء على الإخلال ببعض الحقوق وغير ذلك ما هو معروف في العادة،

والجواب ما أجاب عنه جماعة من العلماء منهم: الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أن هذا المانع الذي ذكرناه ليس حياء حقيقة، بل هو عجز وخور، وتسميته حياء، بحسب اللغة،

وإنما حقيقة الحياء في اصطلاح أهل الشرع خلق يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق،

يدل عليه ما روى الإمام أبو القاسم القشيري عن السيد الجليل أبي القاسم الجنيد. قال: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير فيتولد بينهما حالة تسمى الحياء.

حياء النبي صلى الله عليه وسلم

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: (كان النبي -صلى الله عليه وسلم- ‌أشد ‌حياء ‌من ‌العذراء في خدرها)[البخاري]

العذراء هي البكر والخدر هو الستر، حيث يجعل لها ستر في جانب البيت؛ لأنها أشد حياء من غيرها.

وتلك مالغة في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحياء لأنه كان لطيفا في تعامله مع أصحابه، فكان إذا فعل أحد من أصحابه شيئا لا يحبه وليس فيه مخالفة للشرع، ما كان ينهره ولا يتسبب له في حرج، وإنما كان يعرف كرهه لهذا الأمر من وجهه.

لكن بالرغم من شدة حياء النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن هذا لم يمنعه أبدا من الجهر بالحق، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومواجهة أهل الباطل وإبطال باطلهم.

بل كان رسول الله من أشجع الناس لدرجة أن شجعان الصحابة كانوا يحتمون به في الحروب إذا حمي وطيس الحرب.

وكان يتقدم الصفوف في مواجهة العدو، إذا لابد وأن نفهم أن الحياء بمعناه الذي أراده الشرع وليس الحياء الذي يترتب عليه ضياع الحقوق بين الناس وعلو أهل الباطل على أهل الحق.

عن ‌أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان ‌أشجع ‌الناس.

ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- راجعا،

وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبي طلحة عري في عنقه السيف، وهو يقول: لم تراعوا، لم تراعوا. قال: وجدناه بحرا – أو: إنه لبحر. قال: وكان فرسا يبطأ)[مسلم]

 

مقالات ذات صلة