تفسير

تفسير سورة الكهف من الآية رقم 45 إلى الآية رقم 49

ضرب الأمثال لحقيقة الدنيا وما فيها من زينة

في هذه الآيات من سورة الكهف ضرب الله المثل للدنيا وما فيها من زينة، وكيف أنها إلى زوال لا محالة، وحال المشركين في الآخرة عند عرضهم للحساب ورؤية جرائمهم التي سجلت عليهم مكتوبة في صحائف عند الله.

ضرب المثل للحياة الدنيا

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)

هذا مثل آخر ضربه الله تعالى للحياة الدنيا وبهرجها الخادع ثم زوالها، ليدلهم على حقارة هذه الدنيا وقلة بقائها. وهو مثل يشبه مثل الجنتين اللتين سبق ذكرها في الآيات التي قبل ذلك.

اضرب لهم يا محمد مثلا آخر لحلاوة هذه الدنيا ونضارتها ثم سرعة زوالها؛ ليتأملوا كيف ينخدع الناس بها ويظنون أنها الحياة التي ينبغي عليهم أن يعيشوا لأجلها، ويتفانوا في حبها.

إنما مثل هذه الحياة الدنيا كمثل الماء النازل من السماء على الأرض الطيبة التي تقبل الماء فتنتفع به في نفسها، ثم تنفع به غيرها بإخراج النبات الكثير المختلط بعضه ببعض.

ثم يتحول هذا النبات إلى اليبس والتفتت فتفرقه الرياح وتنسفه ذات اليمين وذات الشمال،

وكان الله وما زال قادرا على كل شيء، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو القادر على الإحياء، وهو القادر على الإفناء، وهو على كل شيء قدير.

المال والبنون زينة الحياة الدنيا

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)

بعد أن ضرب الله المثل لهذه الحياة الدنيا، ذكر الله زينة هذه الدنيا، فبين أن المال الذي يتملكه الإنسان، والأبناء، هم زينة هذه الدنيا وهم كمال النعيم فيها.

فالمال فيه جمال حيث يصل الإنسان به إلى مآربه، وفي الأولاد قوة يبلغ بهم الإنسان العزة والمنعة، وهذا هو ما تفاخر به صاحب الجنتين على أخيه، حيث تفاخر عليه بالمال والولد فقال له: أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا.

وكما أن الدنيا تزول ولا تبقى، فكذلك ما جعله الله فيها من الزينة يزول ويفنى، وكل ذلك لا ينفع الإنسان شيئا إلا إذا استخدمه في طاعة الله، فإذا استخدمه في معصية الله كان وبالا عليه.

ولا ينفع الإنسان عند ربه في الآخرة إلا العمل الصالح، فهذا هو الباقي الذي يعود عليه نفعه، فالباقيات الصالحات هي كل قول أو عمل يرضي الإنسان به ربه، ويدخل في ذلك فعل الأوامر التي أمر الله بها، وترك النواهي التي نهى الله عنها.

والآية فيها رد على هؤلاء المشركين الذين تعالوا على الفقراء، وطلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يطردهم حتى يجلسوا إليه.

فإن ما يعمله هؤلاء الفقراء من الطاعة لله، وفعل الخير هو الذي يبقى لهم ويعود عليهم نفعه في الآخرة، وأما أنتم أيها الأغنياء الذين تعاليتم بأموالكم وأولادكم فلن ينفعكم ذلك عند الله بشيء.

مشاهد يوم القيامة

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)

واذكر لهم يا محمد يوم نقتلع الجبال من أماكنها حتى تصير كالصوف المنفوش، ونسير تلك الجبال كما نسير السحاب في السماء، قال الله: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ).

ثم تتفتت هذه الجبال إلى حبات رمل صغيرة كما في قول الله: (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا).

ثم تصير تلك الجبال الرواسي غبارا منتشرا كما في قول الله: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا).

ثم تصير الجبال كسراب يراه الناظر من بعيد فإذا أتاه لا يرى شيئا، فقال الله: (وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا).

وترى الأرض ظاهرة للعيان ليس عليها ما يسترها من الجبال والأشجار والبنيان، وحشرنا الأولين والآخرين للحساب فلم نترك منهم أحدا.

عرض العباد على الله للحساب

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)

سيعرض العباد على رب العالمين صفوفا كصفوف الصلاة، لا يحجب أحد أحدا، ثم يقال لهؤلاء المشركين على وجه التوبيخ: لقد جئتمونا فرادى حفاة عراة دون حاشيتكم ودون أموالكم ودون أولادكم كما خلقكم الله يوم مولدكم.

وقد كرر الله هذا التوبيخ لهؤلاء المشركين في موضع آخر فقال:

(وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قام فينا النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب فقال: (إنكم تحشرون ‌حفاة ‌عراة ‌غرلا: (كما بدأنا أول خلق نعيده). الآية.[البخاري]

ها هو يوم البعث وقد زعمتم في الدنيا أنه لا بعث ولا حساب ولا ثواب ولا عقاب، ها هو يومكم الذي لا مفر فيه ولا مهرب منه.

قال الله في موضع آخر عن إنكارهم البعث: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).

وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعوة، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، وقال:

(أنا سيد القوم يوم القيامة، هل تدرون بم؟ ‌يجمع ‌الله ‌الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيقول بعض الناس:

ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس: أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون:

يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟

فيقول: ربي غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحا، فيقولون:

يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا، أما ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي،

ائتوا النبي -صلى الله عليه وسلم- فيأتوني فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه).

كتابة الأعمال على العباد

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)

ووضع الله صحائف أعمال البشر التي كتبت فيها أعمال المكلفين من العباد، وعرضت عليهم أعمالهم التي عملوها في الدنيا.

فترى المجرمين خائفين مما في هذا الكتاب؛ بسبب جرائمهم التي ارتكبوها في الدنيا، فما عملوا حسابا لهذا اليوم، ويقولون في ألم وحسرة وتفجع عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم وخفة ميزان حسناتهم: يا هلاكنا.

ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل عليه هذا الكتاب: ما لهذا الكتاب دقيق لا يترك صغيرا ولا كبيرا من الأعمال إلا وأحصاه.

ووجدوا ما عملوه في الدنيا مكتوبا في صحائف أعمالهم، حاضرا عند الله في الآخرة، لا يظلم ربك أحدا من العباد.

فلا يزاد في الكتاب ولا ينقص منه شيء وإنما يجازى كل واحد بما يستحقه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال الله:

(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها، وَكَفى بِنا حاسِبِينَ)

مواضيع ذات صلة