حديث من حسن إسلام المرء

هذا الحديث أصل من أوصل الآداب

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌من ‌حسن ‌إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)[الترمذي]

فضل حديث من حسن إسلام المرء

هذا الحديث من جوامع كلم النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث يجمع الكلام الكثير في الألفاظ القليلة.
وذكر الإمام مالك أنه بلغه أنه قيل للقمان: “ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل” فقال: “صدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني”.
وروي عن الحسن قال: “من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه”

جماع آداب الخير

هذا الحديث أصل من أصول الأداب التي يحتاج الناس إليها في تعاملهم مع الآخرين، بألا يتركوا فضول الأمور، وعدم التداخل في أحوال الناس ومحاولة الاطلاع على أسرارهم ومعرفة أحوالهم على سبيل التلصص.
والأحاديث التي بها جماع آداب الخير أربعة أحاديث، فعن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال: جماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)
وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له في الوصية: (لا تغضب)
وقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه)[جامع العلوم والحكم]

شرح حديث من حسن إسلام المرء

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه من الأقوال والأفعال، واقتصاره على ما يعنيه وينفعه من الأقوال والأفعال.
ومعنى يعنيه أي تتعلق به عنايته، ويكون مقصودا ومطلوبا له، وهي تعني شدة الاهتمام بالأمر.

فعل الواجبات

المسلم الكامل الإيمان هو الذي يقوم بفعل الواجبات التي أوجبها الله عليه ويترك المحرمات، فأما فعل الواجبات فهي أن يأتي بأركان الإيمان والإسلام والإحسان كما ورد في حديث جبريل،
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال: ‌ما ‌الإيمان؟ قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالعبث).
قال: ‌ما ‌الإسلام؟ قال: (الإسلام: أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان).
قال: ما الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
قال: متى الساعة؟ قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان، في خمس لا يعلمهن إلا الله).
ثم تلا النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله عنده علم الساعة) الآية، ثم أدبر، فقال: (ردوه): فلم يروا شيئا، فقال: (هذا جبريل، جاء يعلم الناس دينهم)[البخاري]

ترك المحرمات

كما أوجب الإسلام على المسلم فعل الواجبات أوجب عليه أيضا ترك المحرمات، وهذا قد ورد في كثير من الأيات والأحاديث، كما في قول الله:
(‌قُلْ ‌تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)
وكما روى البخاري عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌المسلم ‌من ‌سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)

الاستحياء من الله حق الحياء

إذا فعل المسلم الواجبات وترك المحرمات اقتضاه ذلك لترك المكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها، فإن هذا لا يعني المسلم،
حتى يصل بذلك إلى درجة الإحسان فيستحضر قربه من الله ومشاهدته، حتى يتولد من هذا المقام الحياء من الله، ومن استحيا من الله ترك ما يستحيا منه، وهذا هو حق الحياء.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (استحيوا من الله حق الحياء).
قال: قلنا: يا رسول الله إنا نستحيي والحمد لله، قال: (ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء ‌أن ‌تحفظ ‌الرأس وما وعى،
والبطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء)[الترمذي]

وقد ورد في القرآن الكريم ما يبين أن الله يعلم ما يحدث الإنسان به نفسه قبل أن تترجم الألسنة عما في القلوب فقال الله:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
وقال الله: (إِنَّ اللَّهَ ‌عَلِيمٌ ‌بِذَاتِ الصُّدُور).

ترك فضول الكلام

من حسن إسلام المرء تركه فضول الكلام وهو اللغو الباطل الذي لا فائدة منه، فقد ذكر الله من صفات المؤمنين المفلحين أنهم يعرضون عن لغو الكلام فقال الله:
(‌قَدْ ‌أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ).
وذلك لأن فضول الكلام قد يورد الإنسان المهالك، فعن ‌معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه، ونحن نسير،
فقلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: (لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه،
تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) ثم قال: (ألا أدلك على أبواب الخير؛ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة
الرجل من جوف الليل).
قال: ثم تلا: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) حتى بلغ: (يعملون)،
ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله.
قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد
ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله. فأخذ بلسانه. قال: كف عليك هذا.
فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، ‌وهل ‌يكب ‌الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)[الترمذي]
فقد نفى الله الخير عن كثير من مما يتناجى الناس به، لأنه لغو ضائع لا فائدة من ورائه، قال الله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)

مضاعفة الحسنات

إذا حسن إسلام المرء بتركه ما لا يعينه فإن هذا يترتب عليه مضاعفة الحسنات، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
(إذا ‌أحسن ‌أحدكم ‌إسلامه: فكل حسنة يعملها تكتب له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة يعملها تكتب له بمثلها)[البخاري]

مقالات ذات صلة