تفسير سورة الكهف من الآية رقم 32 إلى الآية رقم 44

ضرب الله المثل لحال المؤمن والكافر لتقريب المعنى للأذهان

تتحدث هذه الآيات من سورة الكهف عن مثل ضربه الله لحال الكافر الذي اغتر بماله وولده وتفاخر بجنته بدلا من أن يشكر الله على نعمه التي وهبها له، وحال المؤمن الذي وعظ أخاه الكافر ليرجع لربه ويشكره على نعمه.

ضرب الله المثل بالمؤمن والكافر

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)

واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين الذين طلبوا منك أن تطرد هؤلاء الفقراء عنك حتى يؤمنوا بك، اذكر لهم هذا المثل لحال هذين الرجلين وكانا أخوين من بني إسرائيل أحدهما مؤمن والآخر كافر، وقيل: مثل لرجلين من العرب.

ترك لهما أبوهما مالا فورثا هذا المال، فأما الكافر فاشترى بماله حديقتين، وأما المؤمن فأنفق ماله في مرضاة الله، فعيره أخوه الكافر بفقره، فقد أبطرته النعمة.

قال الآلوسى: والمراد بالرجلين: إما رجلان مقدران على ما قيل، وضرب المثل لا يقتضى وجودهما. وإما رجلان موجودان وهو المعول عليه.

وصور الله حال النعيم الذي كان فيه هذا الكافر حيث جعل الله له جنتين من أعناب، وجعل حول هاتين الجنتين سياج من أشجار النخيل، وكان بين الجنتين أنواع من الزروع والفواكه الأخرى، وكان بينهما نهر يتفجر ماؤه.

ثمار الجنتين

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)

وكل من الجنتين آتت أكلها ي أعطت إنتاجا كاملا غير منقوص، وفجر الله له بين الجنتين نهرا غزير الماء لسقي الزروع والثمار.

والتعبير بقوله: ولم تظلم. بمعنى ولم تنقص أو تمنع ففيه مقابلة بديعة لحال صاحب هاتين الجنتين حيث ظلم نفسه بجحوده لنعم الله واستكباره في الأرض.

التفاخر بالنعمة

وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)
وكان لهذا الأخ الكافر أنواع مختلفة من الفواكه والثمار فقال لأخيه وهو يتعالى عليه: أنا أكثر منك مالا وأنصارا وخدما.

فبدلا من أن يشكر الله على نعمه عليه أخذ يتعالى على أخيه بتلك النعم وهذا شأن المغرورين تزيدهم شهوات الدنيا بطرا وفسادا في الأرض.

غرور الكافر وظلمه لنفسه

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)

لم يكتف هذا الكافر بتطاوله على أخيه وتفاخره بماله وولده وأنصاره وخدمه، وإنما أخذ بيد أخيه ودخل حديقته وهو ظالم لنفسه بكفره وتفاخره وغروره، وجعل يطوف بها مع أخيه ويقول له ما أظن أن تفنى هذه أبدا.

إنكار الكافر ليوم القيامة

وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)

واصل الكافر ظلمه لنفسه حتى قال: وما أظن الساعة آتية، فجحد نعم الله عليه، وظن أن ما حصل عليه إنما هو بعلمه وقدرته.

وأنكر قيام الساعة وما يترتب عليها من بعث ونشور، ثم قال: لئن كان هناك احتمال لقيام الساعة وهذا احتمال يستبعده، فسوف يكون مقدما عند الله في الآخرة.

وكأنه يقول: كما أعطاني الله في الدنيا وفضلني على غيري سيعطيني في الآخرة.

ويبدوا أن هذا إنما هو دأب الكافرين دائما يظنون أن لهم الحسنى في الدنيا والآخرة بالرغم من كفرهم بربهم حيث قال الله في أكثر من آية: (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً)

وقال الله: (وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ).

وهذا الكافر هنا بنى حياته على التفاضل بماله وأنصاره وخدمه، ثم على الغرور والبطر، ثم أنكر الثواب والعقاب بإنكاره قيام الساعة، ثم توهم أنه بسبب غناه لو كانت هناك آخرة سيكون مفضلا فيها أيضا.

التذكير بنعمة الخلق

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)

لما سمع المؤمن من الكافر ما سمع كان جوابه عليه أن قال له: أكفرت بالله الذي خلق أصلك من تراب، حيث خلق الله أصلنا آدم -عليه السلام- وجميعنا ينتسب لأصله.

ثم خلقك من ماء مهين، ثم جعلك رجلا كامل الخلقة مكتمل الحواس، وأعطاك الحواس التي تستطيع أن تدرك بها عظمة الله وقدرته عليك.

الإقرار بربوبية الله

لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)

لكنك إن كنت تكفر بالله فأنا أقر به وبعظمته، وأقر بأنه لا معبود في هذا الكون إلا الله، ولا يستحق العبادة أحد سواه؛ لذلك لا أشرك به أبدا.

وأصل “لكنا” لكن أنا فحذفت همزة أنا ثم أدغمت نون “لكن” في نون “أنا” فصارت لكنا.

ما شاء الله لا قوة إلا بالله

وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ

واصل المؤمن وعظه لأخيه الكافر فقال له: كان ينبغي عليك بدلا من أن تكفر بالله الذي منحك تلك النعم أن تقر بفضل الله عليك وأن تقدم له الشكر على ما وهبه لك.

وأن تذكر بنفسك بأن هذا من منح الله لك فتقول عند دخولك جنتك: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا قدرة لنا على طاعة إلا بتوفيق الله.

وهذا دعاء ينبغي أن يقوله الإنسان عند دخول جنته، أو رؤية ما أنعم الله به عليه أن يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

تبدل حال الكافر من النعيم للخراب

إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)

ثم قال المؤمن للكافر: إن كنت تراني أقل منك في المال والولد، فعسى الله أن يبدل حالي في الآخرة إلى ما هو خير من ذلك فيعطني جنة أفضل من جنتك بسبب إيماني به،

ويسلب منك جنتك التي أنت عليها ويخربها لك بسبب ما أنت عليه من الكفر بالله، بأن يرسل عليها آفة من السماء فتدمرها فتصبح أرضا ملساء لا تثبت عليها قدم وجرداء لا نبات فيها.

من يخرج الماء من باطن الأرض

أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)

أو تبتلع الأرض الماء في باطنها فتفسد بسبب ذلك زروعك وثمارك ولا تستطيع إعادة الماء مرة أخرى.

الندم على عدم الإيمان

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)

وينتهي حوار المؤمن مع أخيه الكافر وتكون المفاجأة بإهلاك الله لجنته حيث استولى عليها الخراب والدمار وعبر الله عن ذلك بقوله: وأحيط بثمره. من الإحاطة والاستدارة بالشيء من جميع جهاته.

فأصبح الكافر يقلب كفيه حيث يضرب بباطن إحدى يديه على ظاهر الأخرى حزنا وأسفا على ماله الذي ضاع، والخراب الذي حل، فأصبحت خرابا، وسقطت السقوف على الجداران وهو نادم على إشراكه بربه فتمنى أنه لم يكن قد كفر بالله.

لا ناصر من دون الله

وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)

ولم يكن له جماعة ينصرونه من دون الله ويدفعون عنه هذا الدمار الذي حل بجنته، وما كان قادرا على الانتصار بنفسه، وما كان ممتنعا من عذاب الله فما نفعته عشيرته ولا ولده ولا ماله.

النصرة الحقيقة من الله

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)

في هذا المقام تكون النصرة لله وحده لا يقدر عليها أحد غير الله فهو الذي ينصر أولياءه، فالله هو خير ثوابا لمن آمن به في الدنيا والآخرة وهو خير في الآخرة لمن اعتمد عليه ورجاه.

مقالات ذات صلة