تفسير

تفسير سورة الكهف من الآية 21 إلى الآية 26 تابع قصة أهل الكهف

إزداد يقين الناس بأمر البعث بعد الموت عندما رأوا قيام أهل الكهف من نومهم بعد ثلاثمائة عام، وبين الله أن الخبر الصادق عن أهل الكهف هو ما ذكره الله لعباده.

العثور على أهل الكهف

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا

وكما أن الله بعثهم بعد هذا النوم الطويل أطلع الله الناس عليهم؛ ليستدلوا على صحة أمر البعث، فمن يقدر على إلقاء النوم على هؤلاء الفتية حتى ناموا مدة ثلاثمائة عام ثم يقومون دون أن تتغير أجسامهم قادر على أمر البعث.

وتلك أمثلة يظهرها الله للناس من حين لآخر حتى يستدلوا من خلالها على قدرة الله على الإحياء بعد الموت، وعلى أمر البعث والحشر للثواب والعقاب.

قصة أهل الكهف بعد قيامهم من نومهم

كان في الوقت الذي أيقظ الله فيه أهل الكهف من نومهم ملك مؤمن يحكم الناس، وقد اختلف أهل مملكته في أمر البعث، هل البعث يكون للأرواح أم للأجسام؟

فشق ذلك على الملك فدعا الله أن يري قومه آية تبين لهم الحق الذي اختلفوا فيه، فلما خرج واحد من أصحاب أهل الكهف ليشتري لهم طعاما، ورأى مظاهر الإيمان بادية ذهب لتاجر يشتري منه،

فلما رأى نقوده ظن أنه عثر على كنز؛ لأنها مضروبة منذ زمن بعيد حيث ضربت في زمن دقيانوس، ثم طلب منه أن يدله على هذا الكنز وإلا ذهب به للملك، فسأله الرجل عن الملك أليس هو فلان فقال: لا بل هو بندوسيس.

فاجتمع الناس إليه وذهبوا به للملك ففرح الملك بما رأى؛ لأن هذا سيكون دليلا لقومه على إحياء الله للموتى بأرواحهم وأجسامهم.

ثم ذهبوا لأصحابه فلما رآهم الملك وسلم عليهم ردوا السلام وتحادثوا ثم قاموا فأخذوا جانبا من الكهف ثم ماتوا، وكانت هذه آية للقوم أن الله يبعث الخلق بعد موتهم، وأن الله يبعث الأرواح والأجساد معا.

تنازع القوم في أهل الكهف بعد موتهم

إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)

تنازع الذين عثروا على أهل الكهف بعد أن أماتهم الله فقال بعضهم: نبني على باب كهفهم بنيانا ليكون علما عليهم، فالله أعلم بحالهم وشأنهم.

وقال الفريق الأكثر: لنتخذن على باب الكهف مسجدا نصلي فيه.

حكم بناء المساجد على قبور الصالحين

ولا يستدل بالآية على جوزا اتخاذ المساجد فوق قبور الصالحين؛ لأننا لا نعرف كيفية بناء المسجد الذي اتخذوه، ولو سلمنا أنهم بنوا عليهم مسجدا وفق شريعتهم، فإن شريعة من قبلنا لا تعد شريعة لنا إلا فيما وافق شرعنا، لكن إذا ورد في شرعنا ما يرده فلا نعمل به.

وقد ورد في شرعنا ما يرده، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه الذي لم يقم منه:

(‌لعن ‌الله ‌اليهود ‌والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). لولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي، أو خشي، أن يتخذ مسجدا).[البخاري]

الاختلاف في عدد أهل الكهف

سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ

بين الله أن أهل الكتاب من نصارى نجران سيخوضون في عدد أهل الكهف، فبعضهم يقول: إنهم ثلاثة رجال ورابعهم كلبهم.

وبعضهم يقول: هم خمسة رجال وسادسهم كلبهم. وكلاهما باطل لأن الله وصف هذين الرأيين بأنهما رجم بالغيب، من غير أن يكون عندهم سند أو برهان على قولهم.

عدد أهل الكهف سبعة وثامنهم كلبهم

وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ

ويقول آخرون هم سبعة وثامنهم كلبهم، ولم يصف الله هذا القول بما وصف به القولين السابقين بل أشار الله إلى أن معرفة أمرهم مرده لله، فلا يعلم عددهم إلا القليل،

وهؤلاء الذين قالوا هذا الرأي هم القليل الذين يعلمون عددهم، وكان ابن عباس يقول: أنا من القليل الذين يعلمون عددهم.

النهي عن الجدال في أمر عدد أهل الكهف

فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)

والأولى في مثل هذه الأمور ترك الأمر فيها لله فمسألة العدد لا يترتب عليها كبير أمر، وإنما القصة تذكر من أجل أن نأخذ منها العبرة والعظمة، وأن نؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأن الله يبعث من في القبور.

فلا تجادل أيها النبي هؤلاء الذين يجادلون في أمر العدد فمنهم المصيب ومنهم المخطئ، فلا تجادلهم إلا جدالا ظاهرا، واقتصر في أمر هؤلاء على ما ذكره لك الوحي،

ولا تستفت في أمرهم مما لم ينزل في الوحي أحدا من هؤلاء الخائضين في أمر هؤلاء الفتية، فلست بحاجة إلى أكثر مما ذكره الله لك.

تعليق الأمور على مشيئة الله

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ

لما سأل المشركون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والروح، وكان ذلك بإيعاذ من اليهود، أجابهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: غدا أخبركم. ولم يستثن.

فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يوما حتى أرجف المشركون فنزلت عليه سورة الكهف بها الإجابة على ما سألوا عنه.

وأمر الله نبيه ألا يقول عن شيء أنه سيفعله غدا إلا أن يقول إن شاء الله، فيعلق هذا الأمر على مشيئة الله،

والمقصود من ذلك ألا يجزم الإنسان بفعل شيء إلا أن يعلق الأمر على مشيئة الله.

ما يفعله الإنسان إذا نسي أن يقول: إن شاء الله

وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)

فإذا نسي الإنسان أن يعلق الأمر على مشيئة الله فليأت بها عند ذكر ذلك، وقل أيها النبي لقومك عسى أن يوفقني الله لشيء أظهر حجة وأقرب إرشادا للناس من قصة أهل الكهف.

وقد أعطى الله نبيه من الآيات التي على مثلها يهتدي الناس ما أعظم من قصة أصحاب الكهف كقصص الأنبياء وأحوال الأمم السابقة مما فيه العبرة والعظة.

مدة نوم أهل الكهف

وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)

هنا في هذه الآية تفصيل لما أجمله الله قبل ذلك من الآيات حيث قال الله قبل ذلك على سبيل الإجمال: (فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً)

ثم الله فصل عدد السنين التي مكثها أهل الكهف وهم نيام في كهفهم بأنهم لبثوا ثلاثمائة سنين بحساب أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين طلبوا من المشركين أن يسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الأسئلة.

وتسعا تزيد على الثلاثمائة على حساب المشركين من العرب الذين سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإيعاذ من اليهود.

وتلك معجزة لهذا النبي الأمي الذي لم يقرأ ولم يكتب أن يعرف أن كل مائة سنة شمسية تزيد ثلاث سنين قمرية، فلا شك أن هذا من إخبار الله اللطيف الخبير الذي يعلم السر وأخفى.

الله أعلم بمدة نوم أهل الكهف

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

قل الله أعلم بمدة لبث أهل الكهف في كهفهم منكم أيها الخائضون في هذا الأمر، فقد أخبر الله بمدة لبثهم، وهذا هو الخبر الصادق الذي لا تحوم حوله شبه أو شكوك.

فالله وحده يعلم ما ظهر وما خفي في السماوات والأرض لا يغيب عن علمه شيء.

الله لا يغيب عن سمعه وبصره شيء

أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)

أبصر به وأسمع، وهذا أسلوب تعجب للمبالغة والمعنى: أن الله لا يغيب عن بصره وسمعه شيء وهو أمر يستحق أن نتعجب منه، فبالرغم من كثرة العوالم والمخلوقات كثرة لا يحصيها عد إلا أن الله لا يغيب عن بصره ولا عن سمعه شيء.

فليس لأهل السماوات والأرض نصير ينصرهم من دون الله أو ولي يلي أمرهم ولا يشرك الله أحدا من خلقه في حكمه.

يمكنك الاطلاع على المزيد:

قصة ذي القرنين