تفسير سورة الكهف من الآية 18 إلى الآية 20 تابع قصة أصحاب الكهف

وصف حال أهل الكهف وهم نيام وبعد قيامهم من نومهم

تصف لنا الآيات حال أهل الكهف وحال كلبهم وهم نيام، وكيف أن الله حفظ أجسامهم تلك المدة الطويلة دون أن تتغير أجسامهم، وكذلك وصف حالهم بعد أنا قاموا من نومهم.

أهل الكهف نيام وكأنهم أيقاظ

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ

وتظن أيها المخاطب إذا نظرت لحال هؤلاء الفتية وهم رقوم أنهم أيقاظ منتبهين، لكنهم في الحقيقة نيام لا يشعرون بشيء، ولا يدرون أنهم ناموا هذا الزمان الطويل دون أن يشعروا به.

والسبب الذي يجعل الإنسان يظن أنهم أيقاظ هو أن عيونهم كانت مفتوحة، وكانوا يتقلبون من جهة اليمين إلى جهة الشمال، وتلك حكمة من الله لئلا تأكل الأرض أجسامهم أو تصيبهم قرحة القراش، بسبب هذا الرقود الطويل.

وصف حال كلب أهل الكهف

وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ

ثم ذكر الله حال كلبهم الذي كان معهم في رحلتهم حيث كان ينام قريبا من الباب مادا ذراعيه بالوصيد أي بباب الكهف، وكأنه يقوم على حراستهم ويمنع من الوصول إليهم.

لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)

لو اطلعت عليهم أيها المخاطب ورأيت حالهم لامتلأ قلبك خوفا وفزعا من هول ما ترى.

فائدة مصاحبة الأخيار

والآية تبين فائدة صحبة الأخيار والصالحين من الناس حيث نال الكلب ببركة صحبتهم لهم ما نالهم.

قال الإمام القرطبي: قال ابن عطية: وحدثني أبى قال: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على منبر وعظه سنة تسع وستين وأربعمائة: إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله.

قلت -أى القرطبي-: إذا كان بعض الكلاب نال هذه الدرجة العليا بصحبة ومخالطة الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله بذلك في كتابه، فما ظنك بالمؤمنين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين.

بل في هذا تسلية وأنس للمؤمنين المقصرين عن درجات الكلمات المحبين للنبي -صلّى الله عليه وسلم وآله خير آل-.

عن ‌أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: (بينما أنا والنبي -صلى الله عليه وسلم- خارجان من المسجد، فلقينا رجل عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ‌ما ‌أعددت ‌لها؟ فكأن الرجل استكان، ثم قال: يا رسول الله، ‌ما ‌أعددت ‌لها كبير صيام ولا صلاة ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت)[البخاري]

أهل الكهف بعد قيامهم من نومهم

وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ

الآية هنا تبين الحكمة من بعث الله لهم أي إيقاظهم من نومه، ليتساءلوا بينهم عن المدة التي قضوها وهم مستغرقون في نومهم.

فكما أن الله بقدرته جعلهم نائمين هذه المدة الطويلة دون أن تتغير أجسامهم، شاءت حكمته أن يوقظهم من هذا ارقاد الطويل، ليسأل بعضهم بعضا عن المدة التي قضوها في نومهم.

فقال بعضهم: مكثنا يوما لاعتقادهم أن الشمس قد غربت فلما خرجوا من الكهف ورأوا أنها لم تغرب قالوا: أو بعض يوم، ولم يشعروا أنهم ناموا ثلاثمائة وتسع سنين.

وقال بعضهم: (ربكم أعلم بما لبثتم). أي أن الذي يعلم الحقيقة على وجه اليقين إنما هو الله وحده.

ما عدد أهل الكهف؟

استدل بعض المفسرين بالآية على أن عدد أهل الكهف كانوا سبعة؛ لأن الله قال: (قال قائل منهم كم لبثتم). فهذا واحد لأن الكلام عنه بصيغة المفرد.

ثم قال الله: (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم). فذكر الله هؤلاء بصيغة الجمع وأقل الجمع ثلاثة.

ثم ذكر الله رأي الفريق الآخر الذي فوض العلم لله فقال: (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم). فذكرهم بصيغة الجمع وأقل الجمع ثلاثة فيكون العدد على ذلك سبعة وثامنهم كلبهم.

إرسال أهل الكهف من يشتري لهم طعاما

فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)

لما عجز القوم عن تحديد المدة الزمنية التي ناموها سكتوا عنها، وفوضوا أمر علمها لله، لأنه طائل من وراء الحديث عنها، فنحن الآن جياع نحتاج للطعام والشراب.

فأرسلو اوحدا منكم بتلك الدراهم المضروبة من الفضة إلى المدينة التي يتبايع الناس فيها؛ ليتخير لنا أطيب الأطعمه، فليشتر لنا منها، وليكن حذرا عند تعامله مع الناس حتى لا يتفطنوا لأمره.

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)
لأنهم إذا تمكنوا منهم سيقومون برجمهم بالحجارة، أو يقومون بإرغاهم على أن يتركوا دينهم، وهم يدركون جيدا أنهم إن تركوا الإيمان بالله وعادوا للكفرة ثانية فلن يفلحوا أبدا.

مقالات ذات صلة