تفسير سورة الكهف من الآية رقم 01 إلى الآية رقم 08

التفسير التحليلي لسورة الكهف

تحدثت سورة الكهف في أولها عن استحقاق الله للحمد لأنه هو الذي أنزل القرآن لهداية الإنسان، وتوعد الله هؤلاء الذين يفترون على الكذب بنسبة ما لا يجوز لله.

السور التي بدأت بالحمد لله

في سور القرآن الكريم خمس سور بدأت بتقرير الحقيقة التي يجحدها كثير من الناس وهي : (الحمد لله). أي أن الله هو المستحق للحمد والثناء وهذه السور هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر.

والحمد مقصور على الله في الحقيقة لأنه سبب لكل ما يستحق أن يقابل بالحمد والثناء.

الله مستحق للحمد والثناء

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)

الثناء والتعظيم والإجلال لله الذي أنزل القرآن على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ولم يجعل فيه شيئا من النقص أو الخلل في لفظه ولا في معناه.

فكتاب الله عنوانه الكمال حيث قال الله: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا)، وقال الله: (ذلك الكتاب لا ريب فيه).

فكأن الله ذكر السبب الذي من أجله يستحق الثناء والتعظيم، وهذا ليس هو كل الأسباب التي يستحق الله من أجلها الحمد وإنما هو سبب من الأسباب.

فقد أمر الله العباد أن يحمدوه بسبب هذا القرآن الذي جعله سببا لهدايتهم، وبه أخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان.

وصف النبي بالعبودية

وصف الله -تعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعبوديه، وإضافته لله تعالى تعظيم وتشريف للنبي -صلى الله عليه وسلم- فليس هناك أعظم من أن يوصف الإنسان بأنه قد تحرر من عبودية كل شيء إلا من العبودية لله.

وهذا فيه بيان أن رسول الله ليس فوق ذلك؛ لنكون على حذر لئلا نقع فيما وقع فيه غيرنا من نسبة الولد لله من أجل ذلك حذرنا رسول الله من أن نسلك مسالك غيرنا فقال: (‌لا ‌تطروني، ‌كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله)[البخاري]

وصف القرآن بالكتاب

وصف القرآن بالكتاب إشارة لكمال شهرته بين الكتب بحيث إذا أطلق الكتاب فلا يقصد به إلا القرآن لكماله ولأنه غني عن التعريف.

الفرق بين المدح والحمد والشكر

هناك فارق بين المدح والحمد والشكر، فأما المدح فإنه يكون للعاقل وغير العاقل، فقد يُمدح الإنسان لفعله، وقد يُمدح الذهب لجماله.

وأما الحمد فإنه لا يكون إلا للفاعل المختار لما يصدر منه من إنعام، فالحمد تعظيم للفاعل بسبب ما صدر منه من إنعام سواء وصل هذا الإنعام إليك أم لا.

وأما الشكر فهو تعظيم للفاعل بسبب ما وصل إليك من إنعامه عليك.

القرآن لا تناقض فيه ولا اختلاف

قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)

فالقرآن هو كتاب الله القيم المستقيم الذي لا تناقض ولا اختلاف فيه، فلا  يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه تنزيل من رب العالمين.

القرآن ينذر الكافرين ويبشر المؤمنين

وهذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه جاء بالإنذار للكفرين لتخويفهم من عذاب الله الشديد، وبالبشارة للمؤمنين المصدقين به العاملين بما أمرهم الله به بالنعيم المقيم في جنة الخلد، فهم ماكثون مخلدون في هذا النعيم أبد الآبدين.

لماذا ذكر الله الاستقامة للقرآن بعد نفي العوج

هنا نجد أن الله نفى العوج عن القرآن وأثبت له الاستقامة للتأكيد على نفي العوج، فربما يكون هناك ما يشهد له الناس بالاستقامة لكنه لا يخلوا من عوج قليل، فَنفْى العوج عن المستقيم للتأكيد على أنه ليس فيه أدنى عوج.

إنذار الذي ادعوا أن الله له ولد

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)

ويخوف هذا القرآن هؤلاء الذين نسبوا لله الولد جهلا بالله وكذبا وافتراء على الله، فليس الله في حاجة إلى الولد فإنما يحتاج الولد من يكون عاجزا ضعيفا، يتغير حاله من القوة للضعف؛ لكي يكون سندا له عند ضعفه، لكن الله يغير ولا يتغير،

تخصيص الذين ادعوا لله ولدا بالتخويف

خص الله هؤلاء الذين نسبوا له الولد بالذكر لشناعة وقبح ما نسبوه لله -عز وجل-، عظمت تلك الكلمة الشنيعة القبيحة التي خرجت من أفواههم فإنهم ما يقولون إلا كذبا وافتراء على الله وهذا ذم شديد من الله لهم بسبب كذبهم وجهلهم بعظمة الله.

فقد استعظم الله هذا الأمر في آيات أخرى حيث قال:

(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا، تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً. وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً)

فالإنذار في الآية السابقة شامل لجميع الكافرين ومنهم من نسبوا لله الولد، وفي هذه الآية خص الله هؤلاء الذين نسبوا لله الولد لشناعة فعلهم.

من الذين ادعوا لله الولد؟

الذين ادعوا لله الولد هم اليهود والنصارى حيث قال الله عنه: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ).

وهؤلاء المشركون من العرب الذين قالوا إن الملائكة هم بنات الله فقال الله عنهم: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ‌أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ).

لكن الله نفى عن نفسه أنه اتخذ ولدا في موضع آخر فقال:

(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ، سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ. بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ، وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

حزن النبي على قومه لعدم إيمانهم

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)

فلعلك يا محمد مهلك نفسك حزنا وغما بسبب عدم إيمانهم بهذا القرآن الذي أنزله الله عليك، فما يستحق هؤلاء أن تحزن عليهم فإنهم اختاروا طريقهم بمحض إرادتهم، وردوا الهدى الذي جاءهم من الله عن طريقك.

ولفظة “لعل” تكون للترجي في المحبوب كأن تقول: لعل الشباب يعود يوما. فعودة الشباب شيء محبوب للنفس لذا كانت لعل بمعنى الترجي.

ولعل تكون للإشفاق في المحذور، فكأن الله يشفق على نبيه أن يهلك نفسه حزنا عليهم لعدم إيمانهم.

قال ابن جرير الطبرى: وهذه معاتبة من الله -عزَّ ذكره- على وَجْده -صلى الله عليه وسلم- بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الإيمان باللهِ، والبراءة من الآلهة والأنداد، وكان بهم رحيما.

ابتلاء العباد هو سنة الله في الخلق

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)

إنا جعلنا ما على الأرض من نعيمها وذهبها وفضتها زينة لها؛ لنختبر العباد بها ثم نحاسب كلا على حسب عمله وإخلاصه لله.

فالله يختبر عباده بما وضعه لهم من الأوامر والنواهي، وخلق الله الموت والحياة ليعيش كل إنسان تجربته بنفسه، وليكون شاهدا على عمله، فقال الله: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)

خراب الأرض بعد عمارها

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)

وإنا سنجعل ما على الأرض مما كان زينة لها، تلك الدنيا التي أضاعوا دنياهم من أجلها سيكون كله حطاما، كأن الدنيا لم تر النعيم قط، وكأنها ما كان عليها في يوم من الأيام نعيم أبدا. فالدنيا في حقيقتها ليست بدار مقام وإنما هي دار اختبار وابتلاء.

مقالات ذات صلة