تفسير سورة البقرة من الآية رقم 01 إلى الآية رقم 05

تبدأ الآيات الخمس الأولى من سورة البقرة عن صفات المؤمنين

بدأت سورة البقرة بالحروف المقطعة، ثم نبهت السورة على شأن القرآن، وأنه كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا شك فيه.

ثم تكلمت السورة عن أصول الاعتقاد والتي لا يتم الإيمان إلا بها، وهي الأمور التي يجب على الإنسان أن يعتقدها ويؤمن بها بقلبه، ثم قسمت السورة الناس أمام هداية القرآن إلى ثلاث فئات: المؤمنين، والكافرين، والمنافقين.

في هذا المقال ، تعرف على تفسير سورة البقرة من الآية رقم 01 إلى الآية رقم 06

مناسبة السورة لما قبلها:

سورة الفاتحة التي سبقت سورة البقرة تضمنت الثناء على الله والإقرار بالربوبية والعبودية لله رب العالمين، وطلب الهداية من الله والصيانة مما وقع فيه اليهود والنصارى، ثم جاءت سورة البقرة لتعلم المؤمنين قواعد الدين التي ينبغي عليهم العمل بها والسير على منوالها.

تفسير قول الله : الٓمٓ (1)

ذهب كثير من السلف إلى أن المقصود بالحروف المقطعة في بدايات السور هي مما استأثر الله بعلمه، وهي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.

وذهب كثير من الخلف إلى أقوال عدة منها: أنها أسماء للسور التي افتتحت بها، وقيل: هي حروف أقسم الله بها، وقيل: هي إشارة إلى أن القرآن الذي عجز العرب عن الإتيان بأقصر سورة منه إنما هو مركب من الحروف التي يتكون منها كلامهم.

وقيل: إن المشركين كانوا إذا قُرىء عليهم القرآن أحدثوا ضجيجا لئلا يسمعوا القرآن فيتأثروا بما فيه كما ذكر الله عنهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)

فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا بدأ قراءته بتلك الأحرف التي لم يسمعها العرب من قبل توقفوا عن الضجيج ليسمعوا هذا الكلام الغريب الذي لم يسمعوه فيأتيهم بالكلام المألوف الذي عرفوه فكانت هذه الحروف بمثابة التنبيه لهم.

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) 

ذكر الله أن هذا الكتاب وهو القرآن كتاب كامل في بلاغته وإعجازه، لا شك أنه من عند الله تعالى، فهو صدق وحق، وقيل اللفظ هنا لفظ خبر يراد به النهي عن الارتياب والتشكك في القرآن، وعبر باسم الإشارة للبعيد للكتاب لتعظيم المشار إليه لعلو مرتبته ومنزلته، وهو كتاب هاد للمتقين دال على الدين القويم المفضي إلى سعادة الدنيا والآخرة.

تعريف القرآن:

القرآن هو كلام الله المنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد -صلى الله عليه وسلم- المعجز بلفظه ومعناه، المكتوب في المصاحف المنقول إلينا بالتواتر، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، المختتم بسورة الناس.

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ

 
وصف الله المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب وهذا الغيب هو كل أخبرنا عنه القرآن والسنة مما لا تهتدي العقول إليه ولا يقع تحت الحس والمشاهدة، كأشراط الساعة وعذاب القبر ونعيمه، والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار.

والإيمان بالغيب مما يتميز به المؤمن عن الكافر؛ لقول الله: (من خشي الرحمن بالغيب).

والإيمان بالغيب يدخل فيه ما أخبر الله عنه من الغيوب الماضية أو الآتية وأحوال الآخرة وغيرها.

وَيُقِيمُونَ الصلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)

لم يقل الله يفعلون الصلاة أو يأتون بها وإنما قال يقيمون الصلاة؛ لأنه لا يكفي مجرد الإتيان بها وإنما المطلوب إقامتها بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها وإقامة روحها بحضور القلب وتدبر ما يقوله وما يفعله منها.

والصلاة في لغة العرب بمعنى الدعاء وفي الشرع هي أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.

“ومما رزقناهم ينفقون” وهذا يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة، والنفقات المستحبة، فالنفقة هي قربة إلى الله، وليس المطلوب هو إنفاق كل المال وإنما المراد إنفاق جزء من المال لذا عبر بـ “من” الدالة على التبعيض.

وقوله: “رزقناهم” إشارة إلى أن هذا المال هو مال الله على الحقيقة والعبد ما هو إلا مستخلف فيه.

أنواع التكاليف الشرعية:

التكاليف الشرعية نوعان : ترك وفعل

فالترك معناه أن يطلب الشرع منك ترك فعل أمر ما وهذا الأمر قد يكون من أعمال القلوب كأمر الشرع بترك الشرك فقال الله: (‌وَلَا ‌تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ)

وقد يكون أمر الترك متعلقا بأعمال الجوارح كقول الله: (‌وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ).

وأما التكليف بالفعل فقد يكون متعلقا بأعمال القلب كما في الآية التي معنا حيث وصف الله المؤمنين بأنهم يؤمنون بالغيب، وقد يكون متعلقا بأعمال الجوارح كإقامة الصلاة.

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ

 
من صفات المؤمنين أنهم يؤمنون بما أنزل على النبي -صلى الله عليه وسلم- من القرآن والسنة، وما أنزل على الأنبياء السابقين من الكتب السابقة، ويؤمنون بجميع الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم، وهذا على عكس ما عليه اليهود والنصارى، فاليهود يؤمنون بالأنبياء السابقين عليهم لكنهم يكفرون بمن أتى بعدهم، فيكفرون بالمسيحية والإسلام معا، والمسيحيون يؤمنون بالسابقين عليهم ويكفرون بمن أتى بعدهم فيكفرون بالإسلام.

وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)

ومن صفات المؤمنين أنهم يوقنون باليوم الآخر؛ لأنه أحد أركان الإيمان واليقين وهو العلم التام الذي لا شك فيه، وسمي اليوم الآخر بذلك؛ لأنه متأخر عن الدنيا.

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ

هؤلاء المتقون المتصفون بالإيمان بالغيب وبإقام الصلاة وبالإنفاق من أموالهم ويؤمنون بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- وما أنزل على الرسل من قبله، هؤلاء على نور من ربهم وبرهان واستقامة.

وجاء التعبير بـ “على هدى” ليفيد تمكنهم من الهداية وكأنهم مستقرون عليها، وجاء التعبير عن الهدى بالتنكير ليفيد التعظيم.

وَأولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)

وهؤلاء هم المفلحون المدركون عند الله ما طلبوا بإيمانهم، من الفوز بالثواب والخلود في الجنات.

يمكنك الاطلاع على المزيد:

مقالات ذات صلة