كيف ترد المظالم لأصحابها في الآخرة؟

جعل الله الدنيا دار عمل لا حساب فيها حتى يتدارك الإنسان أمره قبل أن يأتي يوم فيه حساب ولا عمل فيه، فيرد المظالم بالحسنات والسيئات.

التحلل من المظلوم في الدنيا

من كان لأخيه عنده مظلمة في الدنيا فليتحلل منه بالدرهم والدينار قبل أن يأتي يوم القيامة فيرد تلك المظالم بالحسنات والسيئات في يوم لا ينفع فيه الندم، ولا يستطيع أن يرجع إلى الدنيا مرة ثانية ليصلح ما فاته فيها.

فإذا كان في الآخرة بلا حسنات ليعطيها لأصحاب المظالم أخذ من سيئاتهم ثم طرحت عليه ثم طرح في النار.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌من ‌كانت ‌عنده ‌مظلمة لأخيه فليتحلله منها،

فإنه ليس ثم دينار ولا درهم، من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات أخيه فطرحت عليه)البخاري

وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار،

فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة،

فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا)[البخاري]

المظالم تأكل الحسنات

من مساويء تلك المظالم التي يرتكبها الإنسان في الدنيا أنها تضيع عليه ما اكتسبه من الحسنات في الدنيا من فعل الطاعات كالصلاة والزكاة والصيام.

لكنه كان في جانب آخر يسب هذا ويقذف هذا فيجتمع أصحاب هذه المظالم فيطالبون بحقوقهم فيأخذون حقهم بالحسنات فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاتهم ثم طرحت ثم طرح في النار، وهذا هو المفلس على الحقيقة.

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أتدرون ‌من ‌المفلس؟)

قالوا: المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

(المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاته وصيامه وزكاته، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا،

فيقعد فيقتص هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار)[الترمذي]

والاستفهام هنا يراد به تنبيه المخاطب لما يلقى إليه من الكلام، فرسول الله هنا يريد أن يخبر الصحابة والأمة تبع لهم عن أمر لا يعلمونه.

وهذا الحديث فيه تحذير للناس من العدوان في الدنيا لأن عاقبة هذا العدوان وخيمة في الآخرة عندما يقتص الناس منه هناك بالحسنات والسيئات.

الاعتداء على أرض الآخرين

من المظالم التي يتحمل الإنسان عاقبتها في الآخرة أن يعتدي الإنسان على حق أخيه بأن يأخذ منه أرضه ويحرمه حقه.

فبينما يفرح الظالم بأنه ربح الأرض ظلما وعدوانا لا يعلم أنه لن يحاسب عند الله في الآخرة على الظاهر من تلك الأرض وإنما سيعاقب على قطعة الأرض التي أخذها إلى سبع أرضين، ويطوق به يوم القيامة.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌من ‌أخذ ‌شبرا ‌من ‌الأرض ظلما، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين)[البخاري]

قال العلماء: هذا تصريح بأن الأرض سبع طباق، وهو موافق لقوله تعالي: (سبع سموات ومن الأرض مثلهن)

وقول من قال: إن المراد بالسبع الأقاليم خلاف للظاهر؛ إذ لم يطوق من غصب شبراً من الأرض شبراً من كل إقليم، بخلاف طبقات الأرض فإنها تابعة لهذا الشبر في الملك.[شرح المشكاة]

السير في أرض الظالمين

من الأمور التي نهانا عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ألا ندخل على المعذبين إلا إذا كان لأخذ العبرة والعظة.

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين ‌إلا ‌أن ‌تكونوا ‌باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم، لا يصيبكم ما أصابهم)[البخاري]

قال المُهَلَّب: إنّما ذلك من جهة التّشاؤُم بالبُقْعَةِ الّتي نزلَ فيها العذاب، يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: (وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) الآية فوَبَّخَهُمُ اللهُ على ذلك، وتشاءم -صلّى الله عليه وسلم- بالبُقعة الّتي نَامَ فيها.

نكتةٌ: قال علماؤنا: وكراهيةُ الخَسْفِ أَوْلَى؛ إلَّا أنّ إباحته -عليه السّلام- الدُّخول فيها على وجهِ البكاءِ والاعتبار، يدلُّ أنّ مَنْ صلَّى هناك لا تفسد صلاته؛ لأنَّ الصَّلاةَ موضع بكاءٍ وخشوعٍ وتَضَرُّعٍ واعتبارٍ.[المسالك في شرح موطا مالك]

نصر المظلوم

من الأمور التي أمرنا بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أن ننصر المظلوم وألا نتركه للظالم؛ لأن الظالم إذا أمن العقاب تمادى في ظلمه وظلم الجميع.

عن البراء -رضي الله عنه- قال: (أمرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ‌ونصر ‌المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس.

ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباج، والقسي، والإستبرق)[البخاري]

وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌انصر ‌أخاك ‌ظالما أو مظلوما).

قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: (تأخذ فوق يديه)[البخاري]

فنصر الظالم يكون بمنعه عن ظلمه فكأننا بذلك نصرناه على شيطانه عندما منعنا الشيطان أن يتلاعب به ويجعله يتمادى في ظلمه.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *