حديث آية المنافق ثلاث، شرح وبيان

النفاق نوع من الخداع والمكر، بحيث يظهر المنافق الخير ويبطن الشر، ويظهر التصديق ويبطن التكذيب، وهذا النفاق له أنواع.

آية المنافق ثلاث

عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌آية ‌المنافق ‌ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)[البخاري]

وعن عبد الله بن عمرو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌أربع ‌من ‌كن ‌فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها:

إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)[البخاري]

معنى النفاق

النفق هو سرب في الأرض له مخلص إلى مكان، والنافقاء إحدى جحرتي اليربوع أو أحد مخارج اليربوع المخفية يجعله رقيقا مسدودا، فإذا أتى من ناحية القاصعاء وهو جحره الذي يدخل منه ضرب النافقاء برأسه فخرج.

يقولون: نافق اليربوع أي أخذ في نافقائه، واشتق المنافق منه لأنه دخل الشرع من باب ثم يخرج من باب فيكتم الكفر ويظهر الإيمان.

كما أن اليربوع يكتم النافقاء ويظهر القاصعاء، كذلك كانوا يظهرون الإيمان تسترا به وهم مقيمون على كفرهم.

آية المنافق

معنى قول النبي: (آية المنافق). أي علامة المنافق التي يعرف بها، والمراد أن تكون هذه العلامات ملازمة له وهو مستمر عليها وهذا هو غالب أحواله مع الناس، فأما من بدر منه شيء من هذا مرة أو مرتين لم يخرجه ذلك عن الإيمان.

أنواع النفاق

النفاق له نوعان:

نفاق العقيدة

الأول: نقاف العقيدة: وهو أن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وهذا هو حال المنافقين الذين كانوا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فقد أظهروا الإيمان بالنبي وما جاء به لكنهم كانوا يبطنون الكفر.

وصاحب هذا النفاق كافر، من أجل ذلك بين الله تعالى مكانتهم في الآخرة فقال: (إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ‌فِي ‌ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا)

نقاف العمل

الثاني: نفاق العمل: وهو أن يكون الإنسان مؤمنا بكل ما جاء به رسول الله لكن في سلوكه خلل فيظهر صلاح الأمر ويبطن خلاف ذلك.

وأصول أعمال النفاق ترجع إلى ثلاث خصال أو أربعة وهي ما وردت في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي: كذب الحديث، وإخلاف الوعد، وخيانة الأمانة، والفجور في الخصومة.

وهذا النوع من النفاق صاحبه ليس كاقرا وإنما هو فاسق لارتكابه ما ينافي ما أمر به الإسلام.

قال النووي: “وحكى الخطابي -رحمه الله- أيضا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه منافق،

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق وإنما كان يشير إشارة كقوله -صلى الله عليه وسلم- ما بال أقوام يفعلون كذا والله أعلم”.

كذب الحديث

من العلامات التي يعرف بها المنافق أنه لا يصدق في حديثه مع الناس مع تعمد للكذب يقصد به تغيير الحقائق. فبينما أنت تصدقه في كلامه يكون في حديثه لك كاذبا، فالكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه.

فليس هناك شيء أقبح من الكذب لقول الله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

لقد بين لنا رسول الله عقوبة هؤلاء الذين ينشرون كذبهم بين الناس وكلما انتشر كذبهم كلما ظنوا أنهم قد حققوا مكاسب لكنهم في الحقيقة حققوا لأنفسهم الاستحقاق بجدارة لعذاب الله لهم.

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رأيت رجلين أتياني، قالا: الذي رأيته يشق شدقه ‌فكذاب، ‌يكذب بالكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة)[البخاري]

قيمة الصدق

لقد أعلى الله درجات المؤمنين فجعل الله الصدق قرين التقوى فأمرنا بأن نصاحب الصادقين من عباد الله فقال: (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

وقيل للقمان الحكيم: مابلغ بك ما نرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وتركى ما لا يعنينى.

إن الصدق يترقى بصاحبه حتى يكتب عند الله من الصادقين، وإن الكذب يهبط بصاحبه دركات حتى يكتب عند الله من الكاذبين.

عن ‌عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ‌ويتحرى ‌الصدق حتى يكتب عند الله صديقا،

وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)[مسلم]

فلا يزال يتكرر منه الكذب حتى يغلب عليه وهذه ليست صفة المؤمنين بل هي من صفات المنافقين.

عدم الوفاء بالعهود

إخلاف العهود له أحوال: كأن يعد بشيء وهو ينوي ألا يفي بوعده، فهذا هو شر الخلف، ولو قال أفعل إن شاء الله وهو ينوي ألا يفعل كان هذا خلفا للوعد.

أو أن يعد وهو ينوي الوفاء لكن يحدث له ما يمنعه من الوفاء بعهده فلا يفي فلا جناح عليه.

وشر العهود التي يخلفها الإنسان هو إخلاف الوعد مع الله، فقد استحق قوم نزول العذاب بهم عندما أخلفوا عهودهم مع الله.

قال الله: (وَمَا وَجَدۡنَا ‌لِأَكۡثَرِهِم ‌مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ). لقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعهود فقال: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)

خيانة الأمانة

الأمانة هي من أشد الأمور التي أمرنا الله بحفظها وتلك الأمانات قد تكون هي التكاليف التي أمرنا الله بحفظها فعدم القيام بها هو خيانة للأمانة، قال الله:

(إِنَّا عَرَضۡنَا ‌ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا).

وقد تكون ما يعهد به إليك أخوك لتحفظه عندك فإذا جاء يطلبه منك جحدته وأنكرته.

لقد أمرنا الله بأداء الأمانات لأهلها فقال: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتنك ولا تخن من خانك).

الفجور في الخصومة

من سمة المنافق أنه إذا حدث نزاع بينه وبين أخيه مال عن الحق قاصدا ذلك وبالغ في خصومته ونزاعه، ولم يراع حق الإسلام الذي بينه وبني أخيه، ولا حق الصداقة ولا حق الأخوة ولا الجيرة.

مثل المنافق

ضرب النبي -صلى الله عليه وسلم- مثلا للمنافق فقال: (‌مثل ‌المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة)[مسلم]

وهي الشاة التي تخرج من قطيعها لقطيع آخر تطلب الفحل فلا تستقر على حال ولا تثبت مع إحدى الطائفتين.

وهذا مثل المنافق لا يستقر مع المؤمنين ولا يستقر مع المنافقين بل هو تبع لهواه، إن وجد هواه ومصلحته مع المؤمنين كان معهم، وإن وجدها مع الكافرين كان معهم، وقد وصفهم الله بذلك في قوله:

(‌مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا).

فعابهم الله لأنهم لم يسلكوا سبيل المؤمنين ولا حتى سبيل الكافرين وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن طريقة المنافقين أسوأ من طريقة الكافرين لذا جعلهم الله في الدرك الأسفل من النار.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *