كيف تم القضاء على الطبقية والعنصرية في المجتمع المسلم؟

كان من أخطر القضايا المنتشرة في المجتمع الجاهلي الطبقية والعنصرية فكانوا يقدمون من لا يستحق التقدم إلا لأنه من قبيلة كذا ومن عرق كذا.

أين تكمن قيمة الإنسان

كانت قيمة الإنسان في الجاهلية تكمن في نسبه وقبيلته التي ينتسب إليها، فكان يقدم بين الناس على هذا الأساس.

وهذا أساس فاسد يجعل من لا يستحق التقديم يتقدم، ويؤخرون من يستحق التقدم، فلما جاء الإسلام بين أن الناس لا يتفاضلون على أساس ألوانهم وأعراقهم ولغاتهم وإنما يتقدم الإنسان على أساس عقله وعمله.

فبين الله أن الناس جميعا ينتهي نسبهم إلى أب وأم واحدة، وهو آدم وحواء وأن الناس مثلهم كمثل الإخو الذين نشئوا في بيت واحد.

فقال الله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي ‌خَلَقَكُم ‌مِّن ‌نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا).

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا أيها الناس، ألا ‌إن ‌ربكم ‌واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى…)[أحمد]

وعن أبي هريرة، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن)

وقال: (إن الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، ‌الناس ‌بنو ‌آدم وآدم من تراب)[أحمد]

معالجة قضية التبني

كانت قضية التبني من العادات المنتشرة عند العرب في الجاهلية فكان الرجل ينزل ولده من التبني منزلة ولده في كل شيء في الميراث وحرمة الزواج من زوجته وغير ذلك.

وكان للنبي -صلى الله عليه سلم- ولد من التبني اسمه زيد بن حارثة كان يسمى بزيد بن محمد، فلما كبر زيد زوجه رسول الله من ابنة عمته زينب بنت جحش.

لكنها كانت تتطاول عليه لشريف نسبها فهو متبنى وهي من أشراف قريش، فاشتكى منها للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أعلمه الله أن زيدا سيطلقها ويتزوجها هو من أجل أن يبطل عادة التبني بنفسه.

وليبين للناس أن الولد من التبني ليس كالولد من الصلب فيجوز للرجل أن يتزوج بزوجة ولده من التبني إذا طلق زوجته.

وكان الأمر شديدا على النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن رسول الله امتثل لأمر ربه ونزل في ذلك قرآن يتلى إلى يوم القيامة فقال الله:

(وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ

فَلَمَّا ‌قَضَىٰ ‌زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا

مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا)

فبزواج زيد بن حارثة متبنى رسول الله من زينب بنت جحش نجد أن الإسلام قضى بشكل عملي على الطبقية العنصرية التي كانت فاشية في الجاهلية بين الناس.

وصار المعيار الذي على أساسه يتم اختيار الزوج في الإسلام هو دين الرجل فقال صلى الله عليه وسلم:

(إذا خطب إليكم ‌من ‌ترضون ‌دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض، وفساد عريض)[الترمذي]

وبطلاق زيد لزينب وزواج النبي منها كان فيه إبطال لعادة التبني التي كانت منتشرة عند العرب في الجاهلية.

تحول المبادئ لواقع

هناك الكثير من الشعارات والمبادئ التي ينادي بها أصحابها ويقتنع بها الناس لكنهم لا يستطيعون أن يتغلبوا على العادات التي نشئوا عليها فيحولوها لواقع عملي.

لكن ما حدث مع الإسلام شيء آخر فإن كل هذه المبادئ النظرية التي نادى بها وأعلى من شأنها استطاع من خلال عقائده ونظمه أن يحولها لواقع عملي في الناس.

فمبدأ المساواة الذي نادى به الإسلام طبقة على الناس عند أداء العبادات وهذا واضح في فريضة الصلاة التي يقف فيها الغني بجوار الفقير والضعيف بجوار القوي والشريف بجانب الوضيع لا فرق بين أحد منهم إذا وقفوا أمام الله.

النبي يبدأ بنفسه

من أجل تطبيق المبادئ كان لابد للقائد أن يبدأ بنفسه أولا فبدأ رسول الله بزواج زيد بن حارثة من ابنة عمته زينب بنت جحش وكانت قد امتنعت في أول الأمر فأنزل الله قوله:

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا).

وإن كان هذا الزواج قد انتهى بالطلاق إلا أنه خطوة في سبيل تحطيم تلك العنصرية.

زواج أسامة بن زيد

كان من الزواجات التي قضى بها الإسلام على العنصرية والطبقية بشكل عملي زواج أسامة بن زيد من فاطمة بنت قيس.

وفاطمة جاء لخطبتها قبل أسامة، معاوية بن أبي سفيان، وأبو جهم، فعن ‌فاطمة بنت قيس أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب، فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته، فقال:

والله ما لك علينا من شيء، فجاءت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك،

ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني، قالت:

فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

(أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، ‌انكحي ‌أسامة بن زيد. فكرهته، ثم قال: ‌انكحي ‌أسامة فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطت)[مسلم]

زواج بلال بن رباح

تزوج بلال الحبشي الأسود اللون الذي أعتقه أبو بكر الصديق من هالة أخت عبد الرحمن بن عوف الذي كان من أكثر قريش مالا، لقد كان كثير المال بسبب مهارته في التجارة.

زواج الحسين بن علي

تزوج الحسين بن علي من جارية كانت له فأعتقها ثم تزوجها، فأرسل إليه معاوية يلومه في هذا فرد عليه الحسين بقوله:

“أمّا بعد: فقد بلغني كتابك، وفيه تعييرك إيّاي، بأنني تزوّجت مولاتي، وتركت أكفائي من قريش …

إنما كنت أملكها بيميني، خرجت من يدي بأمرٍ التمست فيه ثواب الله تعالى، ثم أرجعتها على سّنة نبيّه – صلى الله عليه وسلم – وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، ووضع به النقيصة، فلا لوم على امرئ مسلم إلا في مأثم، وإنما اللوم لوم الجاهلية”.

هكذا استطاع الإسلام أن يحول الشعارات والكلام النظري لواقع عملي يعيشه الناس، واستطاع بذلك التخلص من تلك العصبيات المقيته التي كان العرب يعيشون فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.