غزوة بني قريظة، سببها ونتائجها

وقعت غزوة بني قريظة في العام الخامس من الهجرة في شهر ذي القعدة، ودام حصار النبي -صلى الله عليه وسلم- ليهود بني قريظة خمسا وعشرين ليلة.

سبب غزوة بني قريظة

لما أجلى الله الأحزاب عن المدينة خائبين لم ينالوا خيرا، ورجع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة ووضع السلاح جاءه جبريل وقال له: أو قد وضعت السلاح؟ فإن الملائكة لم تضع أسلحتهم.

وأمره أن يذهب إلى يهود بني قريظة أولئك الذين خانوا عهدهم مع النبي –صلى الله عليه وسلم- وساندوا الأحزاب من مشركي العرب من أجل أن يستأصلوا شأفة المسلمين، فأمر رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- ألا يصلي أحد منهم العصر إلا في بني قريضة.

عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لنا لما رجع من الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يعنف واحدا منهم)[البخاري]

وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جماعة من المهاجرين والأنصار حتى نزل على بئر لبني قريظة، وكان عددهم ثلاثة آلاف والخيل ثلاثون فرسا ففرضوا الحصار على يهود بني قريظة.

موقف يهود بني قريظة بعد الحصار

لما اشتد الحصار دعا كعب بن أسد زعيم بني قريظة قومه إلى إحدى خصال:

  • إما أن يسلموا فيأمنوا على أنفسهم وأموالهم وأبنائهم، وقال: لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل. وإما أن يقتلوا أبناءهم بأيديهم فيخرجوا ويقاتلوا.
  • وإما أن يهجموا على رسول الله ومن معه في يوم السبت فيقاتلوهم. فأبو أن يجيبوه إلى واحد من تلك الخصال.

فلم يبق لهم إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطلبوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يرسل إليهم أبا لبابة ليستشيروه، وكان حليفا لهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وبكى النساء والصبيان في وجهه فَلَانَ لهم وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه -يعني الذبح-.

موقف أبي لبابة

لما استشار اليهود أبا لبابة في النزول على حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأشار عليهم بأن ينزلوا على حكمه، وأشار بيده إلى حلقه يقصد بذلك الذبح، أي أنهم سيقتلون أحس من فوره أنه خان الله ورسوله فمضى على وجهه، ولم يرجع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أتى المسجد فربط نفسه في جذع منه، وحلف ألا يحله إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

فلما بلغ رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- خبره -وكان قد استبطأه- قال: أما أنه لو جاءني لا ستغفرت له، أما إذ قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه.

فظل مربوطا ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله للصلاة، ثم يعود فيرتبط بالجذع، ثم نزلت توبته على رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- سَحَرًا وهو في بيت أم سلمة، فقامت على باب حجرتها وقالت لأبي لبابة: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، فثار الناس ليطلقوه، فأبى أن يطلقه أحد إلا رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- فلما مر النبي -صلّى الله عليه وسلم- خارجا إلى صلاة الصبح أطلقه.

نزول بني قريظة على حكم رسول الله

نزل بنو قريظة على حكم رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- وذلك بسبب معنوياتهم التي قد انهارت والرعب الذي قذفه الله في قلوبهم، فأمر رسول الله باعتقال الرجال، وجعلت النساء والذراري بمعزل عن الرجال.

لكن رجالا من قبيلة الأوس كلموا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمر بني قريظة فقال لهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ، قالوا: قد رضينا.

فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى سعد بن معاذ وكان في المدينة فلم يكن قد خرج معهم؛ بسبب الجرح الذي كان أصاب أكحله –وهو وريد في وسط الذراع يحقن وهو عرق الحياة- في غزوة الأحزاب، فأركب حمارا وجاء إلى رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- فجعل الأوس يقولون له: يا سعد، أجمل في مواليك فأحسن فيهم، فإن رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- قد حكمك لتحسن فيهم، وهو ساكت لا يرجع إليهم شيئا، فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.

ولما انتهى سعد إلى النبي -صلّى الله عليه وسلم- قال للصحابة: قوموا إلى سيدكم. فلما أنزلوه قالوا: يا سعد، إن هؤلاء القوم قد نزلوا على حكمك. قال سعد: وحكمي نافذ عليهم؟ قالوا: نعم. قال: وعلى المسلمين؟ قالوا: نعم. قال: وعلى من ههنا؟ وأعرض بوجهه، وأشار إلى ناحية رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- إجلالا له وتعظيما قال: نعم وعليّ.

قال: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.

وما حكم به سعد بن معاذ كان جزاء لما ارتكبوه من الغدر الشنيع فقد جمعوا لإبادة المسلمين ألفا وخمسمائة سيف، وألفين من الرماح، وثلاثمائة درع، وخمسمائة ترس وحجفة، حصل عليها المسلمون بعد فتح ديارهم.

عقاب بني قريظة على خيانتهم

أمر رسول الله بحبس رجال بني قريظة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار، وحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، وخرج الرجال أرسالا فوضعوا في تلك الخنادق وضربت أعناقهم.

وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة فضربت أعناقهم وذلك لأنهم كانوا قد أعلنوا تحالفهم مع أحزاب الكفر ليستأصلوا شأفة المسلمين، ولولا أن الله نجى نبيه والمسلمين معه لما أخذتهم بالمسلمين رأفة.

وقتل مع رجال يهود بني قريظة شيطان بني النضير وهو حيي بن أخطب الذي كان سببا في تجمع الأحزاب من قريش وقبائل العرب للقضاء على الإسلام في المدينة، وكان سببا في نقض بني قريظة عهدهم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان قد دخل في حصن بني قريظة بعد أن رجعت أحزاب الكفر عن المدينة وفاء لعهده مع كعب بن أسد.

موقف حيي بن أخطب

لما جيء بحيي بن أخطب كانت عليه حلة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة؛ لئلا يسلبها –أي تخلع من عليه بعد موته- مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، فقال لرسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يغلب. ثم قال: أيها الناس، لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه.

وقتل من نسائهم امرأة واحدة، كانت قد طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، فقتلت لأجل ذلك.

وقسم رسول الله -صلّى الله عليه وسلم- أموال بني قريظة بعد أن أخرج منها الخمس، فأسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهمان للفرس وسهم للفارس، وأسهم للراجل سهما واحدا.

موت سعد بن معاذ

لما تم أمر بني قريظة أجاب الله دعوة سعد بن معاذ -رضي الله عنه- فقد دعا لما أصيب في غزوة الأحزاب وبعدما علم بخيانة بني قريظة: “اللهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني بها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهداهم من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من قريظة”.

وكان سعد قد ضربت له خيمة في المسجد ليعوده رسول الله من قريب، فلما تم أمر بني قريظة انفجرت جراحته، قالت عائشة: فانفجرت من لبته فلم يرعهم -وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلا والدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة، ما هذا يأتينا من قبلكم، فإذا سعد يغذوا جرحه دما، فمات منها.

وفي فضل سعد بن معاذ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلم-: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ)[البخاري]

وعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: لما حملت جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون: ما أخف جنازته، وذلك لحكمه في بني قريظة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (إن الملائكة كانت تحمله)[الترمذي]

الشهداء في غزوة بني قريظة

قتل في حصار بني قريظة رجل واحد من المسلمين وهو خلاد بن سويد الذي طرحت عليه الرحى امرأة من قريظة، ومات في الحصار أبو سنان بن محصن أخو عكاشة.

ما نزل من الآيات في غزوة بني قريظة

أنزل الله تعالى في غزوة الأحزاب وبني قريظة آيات من سورة الأحزاب تشير إلى ما أنزله الله بهم فقال الله تعالى: (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا)