الستر على صاحب المعصية والنهي عن لعن العاصي

علمنا الإسلام ألا نشمت فيمن يقع في المعصية وإنما نستر عليه ونطلب له المغفرة وألا نكون عونا للشيطان عليه.

ستر النبي على صاحب الذنب

كان من منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستر على العاصي فلا يفضحه بمعصيته، وأن من ارتكب حدا من حدود الله يجوز له أن يستتر بستر الله عليه، ويتوب ويجوز إقامة الحد عليه.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كنت عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فجاءه رجل فقال: يا رسول الله، إني ‌أصبت ‌حدا ‌فأقمه علي،

قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة، فصلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- الصلاة، قام إليه رجل فقال: يا رسول الله، إني أصبت حدا، فأقم في كتاب الله،

قال: (أليس قد صليت معنا). قال: نعم، قال: (فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك)[البخاري]

قال ابن القيم: “فهذا لما جاء تائبا بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له، ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به، وهو أحد القولين في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب.

فإن قيل: فماعز جاء تائبا والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد.

قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبهما احتج أصحاب القول الآخر،

وسألت شيخنا عن ذلك؛ فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة، وهما اختارا ‌التطهير ‌بالحد على التطهير بمجرد التوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد.

فأجابهما النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على ‌التطهير ‌بالحد، «فقال في حق ماعز: هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه»

ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: «اذهب فقد غفر الله لك»

وبين أن يقيم كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي – صلى الله عليه وسلم – مرارا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما،

وهذا المسلك وسط مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة ألبتة، وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه ألبتة،

وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، والله أعلم”.إعلام الموقعين عن رب العالمين

لا تعن الشيطان على أخيك

نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الدعاء على العاصي بالطرد من رحمة الله؛ لأنهم إن فعلوا ذلك يكون الشيطان قد وصل لمراده لأنه ما أغوى الإنسان إلا ليحرمه من رحمة الله.

عن ‌أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: أتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بسكران، فأمر بضربه، ‌فمنا ‌من ‌يضربه ‌بيده ومنا من يضربه بنعله ومنا من يضربه بثوبه.

فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم)[البخاري]

قال ابن بطال: وروى ابن المنذر هذا الحديث وقال فيه بعد قوله: لا تعينوا عليه الشيطان (ولكن قولوا: اللهم اغفر له).

قال المهلب: فى هذا الحديث بيان قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)

يريد وهو مستكمل الإيمان، وليس بخارج من الملة بشربها ولا بمعصية من المعاصى؛ لأن النبى -صلى الله عليه وسلم- قد شهد للشارب بحب الله ورسوله وبالإسلام، وقال فيه:

(لا تعينوا الشيطان على أخيكم). فسماه أخًا فى الإسلام، وأمرهم أن يدعوا له بالمغفرة والرحمة.

النهي عن لعن العاصي

عن عمر بن الخطاب أن رجلا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا، وكان يضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد جلده في الشراب، فأتي به يوما فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: ‌اللهم ‌العنه، ما أكثر ما يؤتى به؟

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)[البخاري]

“لعله كان لا يكره ذلك اللقب وكان قد اشتهر به، وجوز ابن عبد البر أنه ابن النعمان المبهم في حديث عقبة بن الحارث،

وقال الكرماني: وكان يهدي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- العكة من السمن، والعكة من العسل، فإذا جاء صاحبها يتقاضاه جاء به وقال: يا رسول الله! أعط هذا ثمن متاعه،

فما يزيد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن يتبسم ويأمر به فيعطى ثمنه”.عمدة القاري

وهذا الحديث يستفاد منه أنه لا يجوز لنا لعن العاصي ولا شتمه ولا الحكم بكفره ولا اتهامه بأنه لا يحب الله ورسوله بل يستحب أن نستغفر له ونطلب له الرحمة والمغفرة من الله.

تعنيف المخطئ

كان رسول الله ربما عنف المخطئ مهما كانت مكانته عنده لأن مثله يستعظم هذا الخطأ منه، ولئلا يعود للذنب مرة أخرى، وحفظا لحقوق الآخرين.

عن المعرور قال: لقيت أبا ذر بالربدة، وعليه حلة، وعلى غلامه حلة، فسألته عن ذلك، فقال: إني ساببت رجلا فعيرته بأمه، فقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-:

(يا أبا ذر، ‌أعيرته ‌بأمه، إنك امرو فيك جاهلية، إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)[البخاري]

والربذة هي موضع قريب من المدينة فلقي المعرور أبا ذر وقد ألبس عبده إزارا ورداء فسأله عن سبب إلباسه هذا،

فأخبره أنه شتم بلالا الحبشي يوما فعيره بأمه بأن قال له: يا ابن السوداء. فعاتبه رسول الله وعنفه على قوله هذا لأخيه،

وبين له أن هذا الفعل من فعال الجاهلية وهو التفاخر بالآباء، ثم بين له أن هؤلاء العبيد الذين يقومون على خدمتكم خولكم أي يخولون أموركم، ويقومون على خدمتكم، فإن كان الله قد جعلهم تحت سلطانكم فلا تكلفوهم من الأعمال ما يعجزهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.