كيف نميز بين الحق والباطل؟

إن نعمة الهداية إلى الحق والتمييز بينه وبين الباطل، من أعظم وأجل النعم التي ينعم الله تعالى بها علي عبد من عباده، وكفى بها نعمة.

شكر النعمة

ومهما شكر العبد ربه عليها فلن يوفي حق شكرها، حيث أخرجه ربه من طريق الباطل والضلال، إلى طريق النور والهداية، فإن هناك خلقا كثيرا أوتوا عقولًا عظيمة وأوتوا ذكاء حادًا، لكنهم لم يوفقوا إلى اتباع واعتناق الحق.

تعريف الحق وصفاته

وكلمة الحق لها مدلولات عديدة في اللغة العربية، منها: الصواب والعدل في الأقوال والأفعال والمواقف،

والباطل هو نقيض الحق، فالحق هو الصحيح الثابت الذي لا يسع عاقل إنكاره بل يلزمه إثباته والاعتراف به،

ومن صفاته أنه واضح لمن أراد أن يسلكه، من تعداه ظلم ومن قصر عنه ندم، ومن صارعه صرعه، وأتباعه هم خيار الخلق، عقولهم رزينة، وأخلاقهم فاضلة، إذا عرفوا الحق انقادوا له، وإذا رأوا الباطل أنكروه وتزحزحوا عنه.

تعريف الباطل وصفات أتباعه

أما الباطل فهو ما لا ثبات له، وما لا يستحق البقاء بل يستوجب الترك والقلع والإزالة، وأتباعه من أسافل الناس وأراذلهم وسقطهم، يعرفون بتكبرهم عن الحق، وجهلهم بالحقائق، بل إِن شئت فقل سلبوا نعمة العقل، فالجهل لهم إماما، والسفهاء لهم قادة وأعلاما.

فما إِنْ يتكلم أحدهم حتى يعرف فساد ما عنده، يصور الباطل في صورة الحق، ويستر العيوب بزخرف القول، يتلون كالحرباء، فلا يثبت على مبدأ، ولكن إذا شاء طفا، وإذا شاء رسب،  وإذا كان الساكت عن الحق شيطان أخرس، فالمتكلم بالباطل شيطان ناطق.

تحري الحق

والمطلوب من الإنسان بصفة عامة، والمسلم بصفة خاصة أن يتحرى الحق دائما، وأن يكون من أهله، فبالحق خلق الله السماوات والأرض، وبالحق أرسل الرسل، وأنزل الكتب ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، ويكفي الحق شرفا أن الله سمى به نفسه،

قال تعالى: (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ) [يونس: 32].

كيف نميز بين الحق والباطل؟

ولا شك أن للحق علامات يظهرها الله تبارك وتعالى للدلالة عليه، حتى لا يكون لأحد حجة كما أن للباطل كذلك أمارات وعلامات،

وبالتالي فإن الإنسان يستطيع التمييز بين الحق والباطل، ويبقى السؤال المطروح: كيف نميز بين الحق والباطل؟
هناك قواعد كثيرة يتوصل بها إلى معرفة الحق، واجتناب الباطل ومن هذه القواعد:

الحق واحد والباطل متعدد

الحق واحد والباطل متعدد: يقول الله تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ )[سورة البقرة:257].

ونلمح في هذه الآية أن الظلمات جاءت جمعاً، وأن النور جاء مفرداً، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الباطل متعدد والحق واحد، وعن عبد الله بن مسعود قال: خطَّ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلم- خطًّا بيدِه ثم قال :

هذا سبيلُ اللهِ مستقيمًا، وخطَّ خطوطًا عن يمينِه وشمالِه، ثم قال : هذه السبلُ ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطانٌ يدعو إليه، ثم قرأ :

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ)[أحمد]

قال ابن القيم -رحمه الله-: (والمقصود أن طريق الحق واحد إذ مرده إلى الله الملك الحق، وطرق الباطل متشعبة، ومتعددة) [بدائع الفوائد: 1/127].
فهذه قاعدة من أهم القواعد التي تحفظ الحق؛ لأن أهل الباطل لما فشلوا في طمس الحق، لم يبق أمامهم إلا تلبيس الحق بالباطل، وإظهار الباطل في صورة الحق، فتجدهم يقولون لك من قال أنكم على الحق؟،

ومن قال أن الحق واحد أصلاً؟ الحق نسبي؛ يعني: أنت عندك نسبة، وأنا عندي نسبة، وهذا عنده نسبة، وأهل الأرض كل واحد عنده نسبة من الحق، فالحق نسبي، وليس هناك حق واحد كامل.

ومن هنا ظهرت الدعوة إلى الخلط بين الإسلام وغيره من الأديان تحت ما يسمى بوحدة الأديان، والاعتقاد بصحة جميع المعتقدات الدينية وجميع العبادات، وتوحدها تحت غطاء دين الإبراهيمية.

ولا يجوز لمسلم يؤمن بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد -صلَّى اللهُ عليه وسلم- رسولاً، الاستجابة لمثل هذه الدعوات، ولا الدخول في مؤتمراتها، وندواتها، واجتماعاتها، وجمعياتها، ولا الانتماء إلى محافلها، بل يجب نبذها، ومنابذتها، والحذر منها، والتحذير من عواقبها.

الحق لا يوزن بالرجال

ومن قواعد معرفة الحق، أن الحق لا يوزن بالرجال: فالحق لا يعرف بالرجال مهما بلغ علمهم، أو كانت منزلتهم.

فكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا المعصوم -صلى الله عليه وسلم- فالحق ما وافق الدليل من غير التفات إلى كثرة المقبلين، أو قلتهم.

فكثرة الأتباع ليست دليلًا على صدق الدعوى، كما أن قلة الأتباع ليست دليلًا على ضعفها أو فسادها، ففي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد..)[متفق عليه]

ولهذا قال بعض السلف:عليك بالحق ولا تستوحش من قلة السالكين، وإياك والباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين.

وقال الإمام الغزالي (فاعلم أن من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال، فاعرف الحق تعرف أهله إن كنت سالكاً طريق الحق).

من تجاوز الحق وقع في الباطل

ومن قواعد معرفة الحق أن من تجاوز الحق وقع في الباطل: والسبب في ذلك أن الحق والباطل ضدان والضدان لا يجتمعان، بل لم يزل أحدهما ينفر من الآخر ويدافعه حتى يزيله ويطرده،

أو على الأقل يضعفه ويمنعه من أَن يكون له تأثير في واقع الحياة، لذا فمن حاول الجمع بين الحق والباطل لم يجتمعا له، وكان الباطل أولى به!! لأن الله قال: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [يونس: 32].
فمسألة الحياد في أمر الحق والباطل غير وارده، وحين يقول إنسان: أنا محايد بين الحق وبين الباطل، فإنه يصنف في دين الله وشرعه في قائمة أهل الباطل.

الصراع بين الحق والباطل

إن الصراع والمدافعة بين الحق والباطل سنة أقام الله عليها هذه الحياة، ولا يزال قائم ما قامت الحياة على الأرض، ليميز الله الخبيث من الطيب، قال تعالى عن وقعة بدر بين المسلمين والكفار:

(وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 42]، وأنه مهما استطال الباطل، أو ربح جولات، فإن الجولة القاضية هي للحق على الباطل.

فاللهم أرنا الحق حقا وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.