السيرة النبوية

تعرف على قصة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة، هو اليوم الذي شهد أعظم مصيبة في تاريخ البشرية، وأشد كارثة تعرض لها المسلمون، وهو وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

عمر النبي يوم وفاته

توفي نبي الرحمة محمد -صلى الله عليه وسلم- وكان عمره ثلاث وستون سنة؛ مات نبي الرحمة وبقيت تعاليمه، مات نبي الرحمة واستمرت دعوته في انتشارها، مات نبي الرحمة وظل نور الوحي الذي جاء به محفوظا، وسيبقى كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، مات النبي -صلى الله عليه وسلم- لكن الدين باقيا؛ لأن الله هو الذي حفظ هذا الدين.

مصيبة فقد النبي

كانت مصيبة المسلمين كبرى بوفاة رسولهم الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وقد كان في مرضه -صلى الله عليه وسلم- الذي مات فيه عبر، وعظات، وأحكام، وتوجيهات للصحابة رضوان الله عليهم وللأمة جميعا.
وكان الصحابة -رضي الله عنه-م يحبون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبا جما، وكان أشد يوم عليهم يوم موته وفراقه.
يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: شاهدت النبي حين هجرته -صلى الله عليه وسلم-، فلم أرى أجمل من هذا اليوم، فأشرقت المدينة بالخير والبركة، وشهد -رضي الله عنه- يوم أن مات النبي -صلى الله عليه وسلم-، فطمس عن المدينة نورها بوفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأظلمت المدينة.

أولا: مقدمات الوفاة

تتابعت مقدمات وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنزلت الآيات القرآنية، وكذلك الأحاديث النبوية، التي تمهد للأمة استقبال هذا الحدث الجليل، ولقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع:
(لعلي لا أراكم بعد عامي هذا)، فما عاش النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد حجة الوداع إلا إحدى وثمانين ليلة، فعن ‌ابن عباس -رضي الله عنه-ما:
«أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا، قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا، قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا، قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ:
اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه-مَا: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ‌إِنَّهَا ‌لَوَصِيَّتُهُ ‌إِلَى ‌أُمَّتِهِ: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» (رواه البخاري: 1739).
ولما نزلت: ﴿إِذَا ‌جَاءَ ‌نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1]، «سَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِذَا ‌جَاءَ ‌نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فَقَالَ أَجَلُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ ‌مَا ‌أَعْلَمُ ‌مِنْهَا ‌إِلَّا ‌مَا ‌تَعْلَمُ» (رواه البخاري: 3627).
ومن الأمارات الدالة على اقتراب أجله -صلى الله عليه وسلم-، ما وقع من معارضة جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن مرتين في آخر رمضان شهده النبي -صلى الله عليه وسلم-، تقول فاطمة رضي الله تعالى عنها:
«أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّ جِبْرِيلَ ‌يُعَارِضُنِي ‌بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِي» (صحيح البخاري (6/ 186).

ثانيا: بداية المرض

شهِد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جنازة في البقيع، فلما رجع وهو في الطريق شعر بصُداع في رأسه، تروي لنا ذلك السيدة عائشة -رضي الله عنها، قَالَتْ:
«رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: ‌وَا ‌رَأْسَاهُ، فَقَالَ: «بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ ‌وَا ‌رَأْسَاهُ» (رواه ابن ماجه: 1465)،
والأنين من ألم المرض والتأوه قد يغلبان الإنسان، وليس في وسع ابن آدم ترك الأنين عند الوجع حين يشتد به، وليس في ذلك ما يخالف الشرع ما لم يصاحبه الجزع.
وقد صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالناس وهو مريض أحد عشر يوما، وجميع أيام المرض كانت ثلاثة عشر أو أربعة عشر يوما.

ثالثا: المرض في بيت عائشة

كانت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها أحب زوجات النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى قلبه، ولم يحمله شدة حبه -صلى الله عليه وسلم- لها على أن يحيف على بقية زوجاته، ويظلمهم حقهن؛ بل كان في تعامله -صلى الله عليه وسلم- مع جميع زوجاته مثالا وقدوة في العدل وحسن العشرة.
فعن ‌عائشة -رضي الله عنها: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، يَقُولُ: ‌أَيْنَ ‌أَنَا ‌غَدًا، ‌أَيْنَ ‌أَنَا ‌غَدًا، يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا» (رواه البخاري: 4450).
وتصف عائشة رضي الله تعالى عنها في صورة حزينة كيف نقل النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيت ميمونة -رضي الله عنها- إلى بيتها فتقول:
«لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ، اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ، فَخَرَجَ بَيْنَ ‌رَجُلَيْنِ ‌تَخُطُّ ‌رِجْلَاهُ ‌فِي ‌الْأَرْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَآخَرَ» (رواه البخاري: 5714).

رابعا: قبل الوفاة بخمسة أيام

وقبل أيام من الوفاة، اشتد به الوجع، وكانت عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- تحدث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
«لَمَّا دَخَلَ بَيْتِي وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ قَالَ: هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ» (رواه البخاري: 5714)،
عند ذلك أَحَس بخِفة، فدخل المسجد وهو معصوب الرأس حتى جلس على المنبر وخطب الناس والناس مجتمِعون حوله فقال: «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا» (رواه البخاري 4443، ومسلم 529).
وعن ‌أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ،
فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. فَعَجِبْنَا لَهُ، وَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا،
فَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- هُوَ الْمُخَيَّرَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، إِلَّا خُلَّةَ الْإِسْلَامِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةُ أَبِي بَكْرٍ» (رواه البخاري 3904، ومسلم 2382)

خامسا: قبل أربعة أيام من الوفاة

ويوم الخميس قبل الوفاة بأربعة أيام كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ما كان به من شدة المرض كان يُصلي بالناس جميع صلواتِه.
عن ‌ابن عباس -رضي الله عنه-ما أنه قال: «إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ، وَهُوَ يَقْرَأُ: {وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا} فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ، وَاللهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِي بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لَآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ بِهَا فِي الْمَغْرِبِ» (رواه البخاري 763، ومسلم 462)
ثم ثَقُل المرض، بحيث لم يستطع الخروج إلى المسجد، وتروي لنا أمنا عائشة ذلك؛ حيث قالت: «ثَقُلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟. قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ. قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ،
فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: أَصَلَّى النَّاسُ؟. قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ. قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ،
ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟. قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ. فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَصَلَّى النَّاسُ؟. فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ، يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ.
فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى أَبِي بَكْرٍ: بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الْأَيَّامَ.
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ، لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ،
فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ. فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي وَهُوَ يَأْتَمُّ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَالنَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- قَاعِدٌ» (رواه البخاري 687).

سادسا: قبل يوم من الوفاة

قبل يوم من الوفاة يوم الأحد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم- غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وفي الليل استعارت عائشة الزيت للمصباح من جارتها، وتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير (رواه البخاري: 2916).

سابعا: يوم الوداع

يروي لنا ذلك أنس بن مالك -رضي الله عنه- فيقول: «أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَيْنَا هُمْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي لَهُمْ، لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَدْ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ،
فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الصَّلَاةِ،
فَقَالَ أَنَسٌ: وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ» رواه البخاري 4448، ومسلم 419، ثم لم يأتِ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقت صلاة أخرى.
ولما ارتفع الضحى، دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- فاطمة ابنته في شكواه الذي قُبِض فيه، وهي ابنته الوحيدة المتبقية على قيد الحياة، فقد مات كل أولاده، وكل بناته في حياته فسارَّها بشيء فبكت ثم دعاها فسارَّها فضحِكتْ.
عن عائشة قالت: «إِنَّا كُنَّا أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عِنْدَهُ جَمِيعًا لَمْ تُغَادِرُ مِنَّا وَاحِدَةٌ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ تَمْشِي، لَا وَاللهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ:
مَرْحَبًا بِابْنَتِي، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ، إِذَا هِيَ تَضْحَكُ.
فَقُلْتُ لَهَا أَنَا مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ: خَصَّكِ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالسِّرِّ مِنْ بَيْنِنَا ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ، قَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سِرَّهُ.
فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ لَهَا: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِنِي، قَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ، فَأَخْبَرَتْنِي قَالَتْ: أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْأَمْرِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ.
قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ، فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ قَالَ: يَا فَاطِمَةُ، أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ» (رواه البخاري 6286).

ثامنا: الاحتضار

وبدأ الاحتضار فأسندتْه عائشة إليها، وكانت تقول: «إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلَيَّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ:
دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ،
وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ – يَشُكُّ عُمَرُ – فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ» (رواه البخاري 4449).
في هذا الحديث تحكي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها أن من نعم الله عليها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما مات، مات في حجرتها، وفي يومها، وفاضت روحه وهي محتضنة له -صلى الله عليه وسلم- وأن الله جمع بين ريقه وريقها عند موته -صلى الله عليه وسلم-، قبيل وفاته بلحظة قصيرة،
وسبب ذلك أنه اشتد السواك عليه -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه لم يزل قاسيا لم يستخدم قبل، فسألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تلينه له -صلى الله عليه وسلم-، فوافقها -صلى الله عليه وسلم- فجمع الله بذلك بين ريقه -صلى الله عليه وسلم- وريقها -رضي الله عنها.

يمكنك الاطلاع على المزيد:

البشارة بالنبي ومولده واسترضاعه عند حليمة السعدية

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *