حديث نبوي

أحاديث الطهارة المتعلقة بالمياه ودفع التعارض بينها شرح وبيان

جاء في ورود النجاسة على الماء عدة أحاديث يوهم ظارها التعارض لكنها في حقيقة أمرها لا تعارض بينها بل كل حديث له معنى يحمل عليه.

حديث بئر بضاعة

عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يطرح فيها الحيض ولحم الكلاب والنتن؟

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌الماء ‌طهور ‌لا ‌ينجسه ‌شيء)[أبو داود]

ظاهر هذا الحديث يدل على أن الماء لا ينجسه شيء سواء كان الماء قليلا أو كثيرا، حتى لو تغيرت أوصافه.

لكن ليس هذا هو المراد، وإنما المقصود أن بئر بضعة كانت على زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- ممرا للماء فلم تكن ماؤه راكدة وإنما قع سؤال الصحابة للنبي عن حكم التوضؤ من مائها إذا أخرجت منه النجاسة.

فأجاب النبي بأنها لا تبقى على نجاستها إذا زالت النجاسة منها، وليس المقصود طهارتها والنجاسة فيها.

قال القرطبي في الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب صحيح البخاري:

وأجمعوا أنّ الماء الطاهر -كثيرًا كان أو قليلاً- إذا خالطته النجاسةُ فغَلَبَت عليه، أو ظَهَرَت فيه برِيحٍ أو لَونٍ أو طَعمٍ؛ أنَّها قد أفسدته، وأنَّه قد حَرُم كما حَرُمت النجاسةُ، وخرج من حكم الطهارة.

وكذلك أجمعوا أنّ الماء المُستَبحرَ الكثيرَ إذا دخلت فيه النجاسة فلم تظهر فيه بلَونٍ ولا طَعمٍ ولا رِيحٍ ولا أثر أنَّ ذلك الماء الطاهر مُطهِّر كما كان، سواء في الحكم طهارته.

فإن كان الماء قليلاً أوكان غيرَ مُستَبحرٍ، وحَلَّت فيه النجاسة، فلم يَظهَر فيها لَونٌ ولا طَعمٌ ولا رِيحٌ؛ فهذا موضعٌ كَثُر فيه النِّزاع والاختلاف قديمًا وحديثًا”.

بلوغ الماء قلتين

عن ابن عمرِ قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُسْئَل عن الماء يكون بأرضِ الفَلاة وما ينُوبُه من الدوابّ والسباع؟

فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان الماء قَدْر ‌القُلَّتَيْن لم يحل الخَبثَ)[أحمد]

إذا كان الماء بهذا المقدار وهو القلتين لا ينجس فإنه يكون طاهرا وإن غيرت النجاسة بعض أوصافه من طعمه ولونه أو ريحه.

القلَّة: هي الجرة الكبيرة التي تسع مئتين وخمسين رطلًا بالبغدادي، فيكون ‌قَدْرُ ‌القلتين خمس مئة رطلٍ، وقيل: ست مئة رطل.المفاتيح شرح المصابيح

وهي تساوي باللتر الحالي 160 لتر تقريبا.

والقلتان هما اللتان تفرقان بين كثير الماء وقليله فما كان قلتين أو أكثر كان كثيرا وما كان دون ذلك كان قليلا.

البول في الماء الدائم

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌لا ‌يبولن ‌أحدكم ‌في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه)[البخاري]

إذا كان الماء كثيرا فالنهي عن البول فيه على سبيل التنزه، وإذا كان الماء قليلا فالنهي عن البول فيه على سبيل الوجوب، لأن الماء يفسد بذلك ولا تصح الطهارة به.

نقل ابن بطال فقال: قال المهلب وغيره: النهى عن البول فى الماء الدائم مردود إلى الأصول، فإن كان الماء كثيرًا فالنهى عن ذلك على وجه التنزه؛

لأن الماء على الطهارة حتى يتغير أحد أوصافه، فإن كان الماء قليلاً فالنهى عن ذلك على الوجوب، لفساد الماء بالنجاسة المغيرة له.

غمس اليد في الإناء بعد القيام من النوم

عن ‌أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (‌إذا ‌استيقظ ‌أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده)[مسلم]

أمر النبي -صلى الله عليه سلم- بغسل اليد قبل إدخالها في الإناء بعد القيام من النوم لأن الإنسان أثناء نومه لا سلطان له على نفسه فربما لامست يده نجاسة أو موضع عورته.

فلابد وأن يغسل يده أولا قبل غمسها في الماء الذي يتوضأ منه لصلاته.

قال أبو جعفر الطحاوي: فتأملنا هذا الحديث لنقف على المراد به إن شاء الله، فوجدنا المخاطبين بما فيه قد كانوا يبولون، ولا يستنجون بالماء، ويكتفون بالمسح بما كانوا يتمسحون به، ويتغوطون، فلا يستنجون بالماء، ويكتفون بالاستجمار بالحجارة،

وكان غير مأمون منهم أن يعرقوا في نومهم، فتقع أيديهم على موضع البول منهم، وعلى موضع الغائط منهم، فتنجس أيديهم بذلك،

فأمروا بغسلها قبل أن يدخلوها الآنية التي فيها الماء الذي يحاولون التطهير به لصلواتهم، ليدخلوها فيها على علم منهم بطهارتها،

وإن كانت في العبادة التي تعبدوا بها على الطهارة التي قد يتيقنونها، حتى يعلموا يقينا بخروجها من ذلك إلى ضده.

ولوغ الكلب في الماء

عن ‌أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (‌إذا ‌ولغ ‌الكلب ‌في إناء أحدكم فليرقه، ثم ليغسله سبع مرار)[مسلم]

في هذا الحديث دليل على نجاسة الماء الذي ولغ فيه الكلب؛ لأن الكلب قد مس الماء فقط ولم يمس الإناء فلأجل نجاسة الماء أمر النبي بإراقته وغسل الإناء سبع مرات لأنه تنجس من الماء الذي ولغ فيه الكلب.

قال القاضي عياض: “اختلف فى غسل الإناء من ولوغ الكلب، هل هو تعبُّدٌ أو لنجاسةٍ؟ فعندنا أنه تعبُّدٌ، واحتج أصحابنا بتحديد غسْلِه بسبع مراتٍ أنه لو كانت العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء، وقد يحصُل فى مرةٍ واحدةٍ”.

مواضيع ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *